رحمة الصغيّر: لماذا نعيش حياتنا و نحن نعلم أنّ اللّه سيأخذها

أعزائي القراء، المقال التالي قد يجد فيه البعض استفزازاً ولكن هذا ليس المقصود من نشرنا له ونحن نتأسف في حال وقوع ذلك. المقال يحتوي على وجهات نظر صاحبته وهو بالتالي يحتمل الصواب والخطأ. إن هدفنا سامٍ ونبيل وهو أن نمتد جسراً بينكم، و هدفنا أيضاً أن نكون منارةً للتعبير عن الرأي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 

لماذا نعيش حياتنا و نحن نعرف أنّ اللّه سيأخذها؟

من الغريب حقّا، أنّه و بعد قرون من التفكير و البحث و التأمّل مازلنا نطرح هذا المشكل الوجوديّ المقلق…

و ان اعترضني هذا السّؤال في شحّاذ نجيب محفوظ فهذا لا يعني أنّه لم يسكنّ عقلي دهرا من الزّمن كما سكن ملايين العقول من قبل… و لو أنّني أفضّل التعامل مع “أنّ اللّه سيأخذها” في شكل “أنّنا نموت”.

انّه لا محالة اليوم صار من المشاكل الزائفة… فحتّام نرفض الموت؟ لم نقبل حتميّة الولادة و نعترض على حتميّة الموت؟

يتمنّى النّاس الخلود و يحاولون دفع الموت بالأدوية و الأدعية..و تسابق معظم النساء الزّمن و يبذلن جهودا جبّارة أمام وحش الشيخوخة و كأنّهن لن يشخن !

و في نفس الانسان أسف عميق و حزن شديد على شبابه الذي يولّي.. و ما هذا الاّ دليل على أهميّة الجسد الذي همّشه الفلاسفة المثاليّون و من اعتبروا الانسان وحدة، جوهرا عاقلا..

و الحقيقة أنّه كلّما شاخ الجسد، الجوهر الممتدّ حسب تعبير ديكارت، يهدّد ذلك الجوهر العاقل.. انّنا في الحقيقة لا نخاف شيخوخة أجسادنا، بل نخاف كذلك اندثار أنفسنا.. نخاف اللاّوجود… و هو ما يفضح فراغا فكريّا يعيشه الانسان.. فهو يعلم أنّه حتما لا يعيش الى الأبد.. و لكنّ الكثيرين يحبّون فكرة الخلود بل هناك البعض من يكرّس حياته بحثا عن اكسير الحياة…

هيّا نفترض أنّ الانسان من يوم ولادته يقذف الى وجود زمنيّ مستمرّ… أليس من المنطقيّ أنّ الانسان لن يفكّر في الزمن بعد؟… بل أنّ الزمن سيفقد معناه.. فلن يقسّم الانسان يومه الى 24 ساعة و الساعة الى 60 دقيقة.. و لن يبذل جهدا في تقسيم الدقيقة الى ثوان و الثانية الى أجزاء من الثانية… فالزمن كدعامة من دعائم الوجود سيلغى… سيُلغى بعد أساسيّ من أبعاد الوجود المعهودة.. و على حدّ علمي لم يذهب أحد بعد الى الجنّة أو النار و عاش في زمن سرمديّ الاّ في الكتب…

و بالعودة الى واقعنا الذي لا يستقيم فيه الوجود الاّ بالزمن المحسوب فانّ الموت اذن هو الذي يكسب الزمن خاصيّته الكرونولوجبّة. لذا ففرضيّة الخلود تؤكّد بدورها على أهمّية الفناء.. فاذا تصوّرنا أحدنا يعيش على كوكب الأرض في مجتمع من الخالدين، لن يشكّل الموت ذلك الهاجس المخيف الذي يخلق بدوره معنى “السرعة”.. سيتمهّل الانسان في انجاز مشاريعه.. فلا شيء يجبره على العمل بكدح و بتواصل فهو اذا لم يعمل اليوم سيعمل بعد بضع قرون من الراحة و الخمول هذا مع الاشارة انّه لن يعرف معنى “قرن”.. فقد تكون بضع قرون “بعد قليل” بالنسبة له أو لا شيء و لا غرابة في ذلك.. و في الحالة الاولى تكون الطبيعة هي الرابط الوحيد الذي يمكن أن يخلق نوعا من الوعي بالزمن  كغروب الشمس، الفصول و التطوّرات التي تحدث على بقيّة الكائنات من نبات و حيوان…

لن ينزعج الانسان ضمن معطيات هذه النظريّة اذا لم ينجز شيئا يذكر في حياته منذ ولادته فهو مطمئنّ الى فكرة أنّه سيقوم بكلّ ما يريده “متى” يريده. لن يكون حريصا، ملتزما أو على الأقلّ مجبرا غلى الالتزام ..

خلافا لذلك في الحياة الفانية يكون الانسان حريصا، في نسق حياة سريع و تكون الحياة اغتناما،، و التفكير ضرورة و الفعل لا مفرّ منه..و وجود انسان لا يفكّر و لا يفعل.. هذا قضيّة اخرى.. من قبيل الاموات الاحياء..

فنحن، نعم،  نعيش حياتنا رغم أنّنا نعلم أنّ ا”للّه” سيأخذها. بل لأنّها ستؤخذ منّا نعيشها..

تلك هي قناعتي.. لنا أن نتجاوز هذا الطرح الزائف و نفكّر في مشاكل حقيقة تتعلّق بالحياة التي تعيشها -تلك الحياة القصيرة- بالمشاكل التي تعترض الانسان خلالها… فهي لا محالة كلّ ما نملك…

بقلم الآنسة رحمة الصغيّر

للرد على صاحب المقال أو للمساهمة بمقالٍ لكم يمكنكم إرسال مقالاتكم إلى بريدنا الإلكتروني illuminatosanimos@gmail.com ونحن لا نمانع في نشرها شرط أن لا يحتوي المقال على إهانة شخصية إلى أيٍ كان وشرط أن يحذو حذواً بناءً وأسلوباً جامعاً لا مفرقاً

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s