عبدالله جمال عبابنه: نظرة نفسيّة في الثورات العربية

Abdallah Ababneh

Abdallah Ababneh

نظرة نفسيّة في الثورات العربية

كثيراً ما تثور لدينا تساؤلات حول ربيعنا العربي، منها ما يهدف الى الانتقاد ومنها ما له مقاصد وأبعاد تهدف الى تخوين الثورات والتشكيك بها، ومنها ما هو بدافع حب المعرفة.

إن الدراسة النفسية لحال الشعوب هي الحل الأوثق والأفضل في وجهة نظري لفهم تصرفاتها وأفعالها، ولفهم نشوء ثوراتها. كما أن الدراسة النفسية للموضوع لن تجعل تفسيراتنا مقتصرة على الشعوب الثائرة وحسب، وإنما سوف تتعداها إلى الشعوب الأخرى التي ما زالت حتى الآن دون ربيع عربي.

عند الحديث عن شعوب وثوار فإننا نتحدث عن جماعة وجمهور، هذا يجعلنا بحاجة إلى نظرة نفسية لوصف هذا “الجمهور”، والذي هو جماعة من البشر متوحدة حول هدف ما. وهنا نعود بالتاريخ إلى عام 1895 الذي يعدّ بداية لهذه النظرة مع غوستاف لوبون.

لقد كان علم النفس في بدايته مقتصراً على التحليل النفسي للفرد الواحد ودراسة سلوكه وحالته النفسية، لكن حين بدأت الجماهير بالظهور والحراك في الثورات والنهضات وغيرها، كان علم النفس الفردي يقف عاجزاً أمام تفسير أفعال ذلك الجمهور عن طريق قياسها على أفراده، كأن نعمم تفسيراً أو تحليلاً لسلوك فردي على الجماعة،  فقد كان الجمهور يتصرف كجسدٍ وشخصٍ واحد يمتلك صفاتٍ مغايرة تماماً لمن شكّلوه. ومن هنا ظهرت الحاجة والضرورة إلى وجود فرع من علم النفس يدرس حالة الجمهور الكبير العدد، وقد سمِّي هذا الفرع بـ “علم نفس الجمهور” الذي كان رائده “غوستاف لوبون” والذي يقول البعض أنه هو من أسّسه في عام 1889 بمقالاته وكتبه حول هذا الموضوع.

وبعد ذلك انفتح الباب أمام الباقين من علماء النفس وهم كثر، ولعل أكثرهم شهرة وإثراء لهذا المجال “سيغموند فرويد” الذي أكمل مشوار مَن قبله وزاد عليه، وأضاف الكثير من التفسيرات إلى هذا العلم، وسلط الضوء بشكل كبير على اللاشعور الذي يعتبر فرويد أن غوستاف لوبون أشار إليه بشكل قليل، وجاء هو ليكمل وليقحم مفاهيم جديدة لتفسير حالة الجماهير مثل المكبوت واللاوعي واللاشعور وغيرها.

و بعد هذا كله أصبحنا قادرين على فهم الجمهور وتفسيره بشكل بسيط لكنه لا يخلو من التعقيد أحياناً، وما حدث في وطننا العربي الحبيب هو مثال لحالة تدعى بـ “الجمهور النفسي” والذي دأب “غوستاف لوبون” على تسميتهم ببرابرة العصر الحديث وتحدث عن رغباتهم التخريبية والهمجية لدرجة أنه قال أنه في لحظة تكوّن الجمهور وانطلاقِه فلا فلسفة للتاريخ إلا فلسفة الكثرة الهمجية.

إن الجمهور النفسي ينشأ عندما يكون هناك مجموعة كبيرة من الناس تتشابه في شعورها السلبي أو الايجابي تجاه شخص ما أو شيء ما أو فكرة معينة، وحين نحصل على هذه المجموعة من الناس ذات الميل النفسي الواحد حينها يمكننا ان نقول أن هذا جمهور نفسي.

هذا الجمهور يتصرف كأنه شخص واحد ولكنه شخص مختلف كلياً عن مزيج وأفكار الأشخاص الذين كونوه والذين يشكلونه، و تظهر فيه توجهات غريبة و كأنها عدوى بالأفكار والكلمات والميول التخريبية وسرعة الهيجان وغيرها الكثير مما أوضحه علماء النفس.

إن ما حصل في الربيع العربي هو حالة حقيقة من الجمهور النفسي الذي يشترك أفرداه معاً في شعورهم السلبي تجاه وضعهم و تردّي أحوالهم أو الشعور الايجابي تجاه التغيير والنهضة، خصوصاً مع تنامي الحس التاريخي لدى الشعوب التي بدأت تستذكر ماضيها المجيد وحضارتها، و تقارنه بحالها الآن، مما خلق لديها شعوراً سلبياً تجاه حالها وحاكمها الذي حمّلته وزر ما حلّ بها هو ونظامه، فتكونت هذه الجماهير النفسية دون تنسيق أو تنظيم أو تلاقي فيما بينها، وتجمعت لتكوّن جسداً واحداً وكأنما تراتبت أعضاؤه وأجهزته بالخفاء.

إن هذا التجمّع هيّأ جمهوراً كبيراً من الأفراد ذوي الرغبه الواحدة، وهذا ما يفسر لنا ولكل المشككين في آلية تكوّن الجماعات الثوريّة في الربيع العربي، كيفية تجمّع هذه الأعداد بهذه السرعة والسهولة، ذلك أن كل هذه الناس كانت ترضخ لتلك الظروف و كلها تولد لديها الميل والرغبة الواحدة ما جعلهم قابلين للتهيج بشكل عفوي وسريع.

إن الملحوظ على الجماهير كافة هو أن تكوين الجمهور يختلف كلياً عن خصاص مكونيه، ذلك لأن الكل يسعى إلى هدف واحد ولأن الكثرة والجمهور من شأنها أن تؤدي إلى طمس الشخصية الواعية للفرد، فينطلق منه اللاوعي واللاشعور ويصبح كالمنوم مغناطيسياً، يقوده هدفه أو رئيسه أو الشيء الذي تربطه به العلاقة والرغبة، فترى شخصاً يتصف كفرد بالرزانة والهدوء يقوم في ظل الجمهور بأفعال يستحيل أن يقدم عليها منفرداً وهذا بفعل طمس شخصيته الواعية.

إن هذا هو ما دفع غوستاف لوبون لوصف الجمهور بأنه برابرة العصر، ذلك لأن الوعي ينطمس ويختفي فيقوم اللاشعور بتحريك الجسد لتفريغ المكبوت، وهذه هي قوة الجمهور وهنا يمكن مربط الفرس في توجيه هذه القوة إيجابياً أو سلبياً. إن هذا الدافع خطير وربما نقبل بوصف لوبون إذا ما علمنا أن الجمهور غالباً ما يسعى للفوضى والعبثية والعنف، ومن أخطر ما يظهر في الجمهور هو أن الشخص الذي يقبع ضمن جمهور يشعر بامتلاكه الشجاعة والقوة مما يجعل الخوف والتفكير في العواقب شيئاً شبه ملغى. والأكثر خطورة من هذا هو انتفاء شعور الفرد القابع في الجمهور للمسؤولية وحس المساءلة فيشعر بأنه لن يكون مسؤولاً عن أفعاله لأن الجمهور بأكمله يتحملها، فهو لن يقدم على فعل إلا إن أقدم عليه كل الجمهور، وبالتالي فهو يشعر بأنه غير محاسب ولا مسؤول وكأنه يحدث نفسه ويقول: “إن أرادوا محاكمتي فيجب عليهم أن يحاكموا كل هؤلاء الناس” و بهذا يشعر وكأنه فوق القانون وهذا أمر خطير جداً.

إن التطلع إلى جمهور خالٍ كلياً من السلبيات وبعيدٍ كل البعد عن العنف والتصرفات الفوضوية هو أمر شبه مستحيل نظرياً، ومن الممكن حدوثه في حال كان هناك قائد وقدوة حقيقة وقوية، يوجهه ويسيره فيتبعه الجمهور. وللعلم فإن الرئيس أو القدوة ليس من الضروري أن يكون شخصاً أو فرداً أو حزباً بل من الممكن أن تنوب فكرة أو هدف عن ذلك وتلعب دوره وربما بشكل أكثر فاعلية، كما يحدث عندما يتوحّد الجمهور النفسي حول هدف معين فينساق خلف الطريق التي تؤدي إليه ويسعى لتحقيقه. و للأسف فمن الممكن أن تكون هذه الطريق عنيفة وهمجية وهذا ما تميل إليه الجماهير للأسباب التي ذكرت ولإيمانها بفاعلية القوة في تحقيق المراد.

إن المخاطر التي يشكلها الجمهور على نفسه ومجتمعه تنتج عن اختفاء حس النقد والتفكير والمحاكمة المنطقية، وذلك لأسباب عدّة منها انطماس الشخصية الواعية والخوف من ردة فعل الجمهور في حال مخالفته، وبهذا تجد شخصاً ذكياً مفكراً يستسلم ويقبل أفكاراً قد يكون من أشد الرافضين وربما الساخرين منها في حالته الفردية، وهذا ما يخلق حالة تسمى “الرهبة”.

الرهبة من القائد أو من الفكرة التي تنادي بها الجماهير، هي أمر قد يكون ذا أثر سلبي على الجمهور، وهذا ما يحدث لدى الشعب الذي يعيش حالات من الولاء لقائده و نظامه، وهذا ما يفسر كيف ينصاع شعب ويرضخ لحكم قائد لمدة طويلة، أو يبقى مؤمناً بفكرة لمدة طويلة. إنها الرهبة التي خلقها الجمهور لهذا القائد أو هذه الفكرة، وحتى يستفيق الجمهور من هذا التنويم فلا بد من تكوّن جمهور آخر يشعر بشعور مختلف سلبي تجاه الفكرة أو القائد، أو شعور إيجابي تجاه التغيير، وبهذا ينشأ الجمهور النفسي أو جمهور الثوار كما ورد في بداية المقال. وهذا الانقياد يجعل الجمهور عرضة للاستغلال ويجعله بعيداً عن الموضوعية والتفكير السليم.

إن الخطير في هذا هو أن شخصاً ما قد يستطيع السيطرة على جمهور بإظهاره لحماس كبير تجاه الفكرة أو رغبة الجمهور، وتفانيه في تنفيذها والسعي لها، وهذا الشخص قد يكون أحد أفراد هذه الجماهير لكنّ من الأرجح أن يكون من خارجها ليس كلياً بل جزئياً، فمن غير الممكن أن يفكر ويتصرف أحد أفراد الجمهور -المنوّم مغناطيسياً- بهذا الدهاء ويتخلص من وطأة الرهبة ويتحول إلى قائدٍ ومستغلٍ للجمهور، وهذا ما يفسر قول الكثير من رواد الحركات الثورية بأن الثورات يفجرها شجاع ويخوض غمارها ثائر ويقطف ثمارها جبان.

لابد من أن يكون هناك شخص مبتعد عن هذا التنويم المغناطيسي ليكون قادراً على انتهاز الفرصة، وهذا ما يرجح وبقوة أن يكون من خارج هذا الجمهور وإنما شخص يؤمن بأفكارهم و لديه رغبتهم لكن من دون تكون عنده رهبة وإلغاء للشخصية الواعية.

إن طبيعة الجمهور تجعله قابلاً و بسهولة لأن ينساق خلف قائد أو شخص، فحبه للخطبات الحماسية والعاطفية بشكل كبير، وكرهه للواقعية والموضوعية وكرهه للحقيقة وحبه للوهم يجعله مؤهلاً لأن يتم استغلاله من شخص يملك ملكة لغوية قوية وقادر على إيهام الجماهير.

إن هذا المقال لا ينتقص من أحدٍ أو يبرر ثورة أو حراكاً، إنما هو نظرة نفسية في حال الجمهور ككل والجمهور العربي كمثال، وهو يعبر عن وجهات نظر صاحبه التي استمدها من القراءة والعلماء وأضاف إليها.

بقلم السيد عبدالله جمال عبابنه

One comment on “عبدالله جمال عبابنه: نظرة نفسيّة في الثورات العربية

  1. Candle Light says:

    مقال رائع جدا و فعليا حاله الجمهور النفسي موجوده و فقلا اصبح الجمهور منقاد لأي شخص غير منوم يمتلك مهارات لغوية عاليه ان ينومه و يوهمه بتغييرات وهميه و جذريه

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s