عبد الله عبابنة: معيقات التقدم والنهضوية بين العوامل الخارجية والشخصية العربية

معيقات التقدم والنهضوية بين العوامل الخارجية والشخصية العربية 
عبد الله عبابنة

لقد أوغلت أمتنا بالفشل والتخلف، إلى حد استوجب معه دراسة اسباب هذه الحالة، للوقوف عليها ومعالجتها، وعند التمعن بهذه الحالة والبحث في اسبابها تجد انك تقف امام جزأين، جزء يعود إلى الخارج، وجزء يعود إلى الداخل اي الشخصية العربية، وكلاهما يكمل بعضة بنظري.ٌ

إن سرد الاسباب الخارجية لا يعتبر مسوغاً لأن نعتبر سبب فشلنا وتخلفنا هو غيرنا، نحن من أسهم بخلق هذه العوامل، وبكل بساطة لن يركب أحد على ظهرك ما لم تنحني.

من أهم العوامل الخارجية التي تقوض النهضة هي

– الهيمنة الاقتصادية –

يندرج تحت هذا الباب الهيمنة على المال وعلى المقدرات والثروات الطبيعية، استطاعت الدول الاجنبية أن تهيمن وتبسط سيطرتها على مقدرات الأوطان وثرواتها الطبيعية، ويعود ذلك إلى أسباب عدة، منها: الهيمنة السياسية والعسكرية على الوطن العربي خلال الفترة التي تم ايجاد هذه الثروات الطبيعية فيها، مما أتاح لهذه الدول الحصول على معاهدات واتفاقيات مجحفة وظالمة تضمن لها حقوق التنقيب والاستخراج بعائد كبير عليها ولفترات زمنية طويلة، ذلك من خلال ضغطها السياسي والعسكري على الدول صاحبة الحق وصاحبة الارض، كما انها استغلت جهل أهل المنطقة بقيمة هذه الثروات ومدى الربح الوفير الذي سوف تدره عليها، اضافة إلى ضعف الامكانات والقدرات التكنولوجية عند تلك الدول أصلا فلم يكن بمقدورها أن تستخرجها بنفسها وشركات وطنية في ظل احتكار الدول المهيمنة على هذه التكنولوجيا والجهل الذي كانت تغرق به المنطقة .

كذلك النقد والمال، فعن طريق منح القروض والمساعدات والمنح، تمكنت الدول المانحة من أن تسيطر على الدولة المدينة وأن ترهن تقدمها واستقرارها بما ترسله من اموال، فهي تخلق دولة عبارة عن قرادة تقتات على فتات مال الدول المانحة ولا تستطيع تدبير أمورها دونها، ففي ظل هذه الحاجة الماسة للآخر وكذلك المديونية، كان من السهل على تلك الدول أن تسيطر على سياسة الدول المدينة سواء السياسة الخارجية أو الداخلية، فتصبح الدولة عبارة عن تابع حقيقي للدولة المانحة، تسيرها كيفما تشاء وتبقيها كيف تشاء، ويتضح هذا جيدا في سياسة البنك الدولي والدول المانحة، وتشكل هذه السيطرة ضغوطاً على الدولة بشكل كبير، فهي تهدد استقررها الداخلي وتخلق تبعية كبيرة تكاد تمحو الاستقلال الذاتي وشخصية الدولة .

وأيضاً عامل مهم جدا، ألا وهو المساعدات الغذائية، ففي ظل سيطرة بعض الدول على الكثير من المحاصيل الرئيسية والضرورية لأغلب دول الوطن العربي، مثل القمح والارز، اصبحت هذه الدول قادرة على الضغط على الحكومات من خلال تهديدها بقطع هذه المساعدات أو الامتناع عن بيعها اياها، مما يهدد قوت شعبها واستقراره الداخلي، خصوصاً في ظل شح هذه المحاصيل في الوطن العربي، كذلك التضييق على المشاريع الوطنية التي تحاول ان تستثمر في مجال زراعتها، كل هذا يجعل حتى قوت يومنا وسيلة ضغط علينا من الدول الأجنبية تسيرنا من خلالها إلى اي هاوية تريد .

الحاجة الماسة لسوق للدول المصنعة، فالدول الصناعية تحتاج إلى أسواق كي تبيع فيها منتجاتها ومن الأفضل أن تكون هذه الأسواق مجرد استهلاكية لأغلب السلع سواء الانمائية أو العادية، هذه الحاجة تجعل هذه الدول تسعى وبشكل كبير إلى أن تحافظ على أسواقها كما هي وتمنع ازدهارها، لتبقى سوقاً يطلب كل شيء، وهذا أمر طبيعي ان تفعل أي دولة هذا فهي تريد ان تبيع سلعها.

في ظل هذه الهيمنة الاقتصادية المحكمة تخلق لدينا تبعية عمياء لمن يملك قوت يومنا وسلعنا ومقدراتنا وبهذا نبقى في مكاننا لا نبارحه مالم ننتفض حقاً.

– الهيمنة السياسية والعسكرية –

في أيام تقهقر الوطن العربي وتدهوره، شكلت هذه الحالة مطمعاً للدول الاستعمارية لكي تنال منها، فبعد أن تولت جميعة الاتحاد والترقي سدة الحكم في الدولة العثمانية، وضعفت الدولة العثمانية وحالة الفوضى التي سادت المنطقة نتيجة الحرب العالمية الاولى والثورة العربية، شكل هذا مطمعاً لدول الاستعمار فتهافتت على الوطن العربي الضعيف كما تتهافت النسور على الجيفة، تعدى ضرر هذه الحركات الاستعمارية حد القتل والسلب والنهب، بل في سياساتها الاستعمارية، التي وإن تعددت فإنها تصب في قاعدة فرق تسد، وكذلك في ظل ضرورة التقسيم وأخذ الحصص لصالح الدول المستعمرة، فتم تقسيم الوطن العربي وتمزيقه، إلى دول ومن بعد هذا بدأت كل دولة تسعى إلى دب الفرقة والنزاع في الدول التي انتدبت عليها، فقامت بغرس الفتن ومحاولة ضرب فئات الشعب ببعضها، ليلتهوا ببعضهم وينسوها ويتسنى لها ان تلعب فيهم كما تشاء، كما انها خلقت ودقت مسماراً عريضاً في ظهر الوطن العربي بخلقها لمشكلة كبيرة جداً، وهي القضية الفلسطينية التي اصبحت شغل الأمة الشاغل ونتج عنها كيان لئيم مهيمن في المنطقة طبعاً لها تبعات أخرى مضرة كثيرة سوف أتعرض لها فيما بعد، في ظل هذه السياسات الاستعمارية والتحكم السياسي بالقوة العسكرية وبالضغط السياسي، كان متاحاً لهذه الدول أن تفعل ما تشاء وتسيطر على ما تريد وهذا ما حدث فعلاً، وأوضحته حين تكلمت عن الهيمنة الاقتصادية، وبعد أن فعلت كل ما فعلت منحتنا شهادات استقلال بعد أن تاكدت من أنها وإن أنهت انتدابها أو سيطرتها العسكرية فهي مازالت تحكم أو مازلنا كما تريدنا .

– الهيمنة الثقافية –

ان اي أمة لابد وأن تملك استقلالها الثقافي وبعدها عن التبعية الثقافية والتقليد، كل هذا لأن بعض الثقافات لا تتواءم مع طبيعة المنطقة أو الشعب ومنها ما هو مضر لها اصلاً، تعددت طرق الهيمنة الثقافية وأتيح لها المجال بشكل واسع في ظل العولمة الثقافية، فأصبح العالم يغزونا من خلال الدراما والمسلسلات والأغاني والموسيقى واللباس، فصبغت علينا طابع ثقافات تختلف عنا كلياً، مما أبعد الكثيرين عن القيم والمبادئ الخاصة بمجتمعها وحولهم إلى افراد مقلدين.

أيضاً من أهم عوامل الغزو والهيمنة الثقافية ألا وهي حملات التبشير، التي كان هدفها الاول سياسياً وليس دينياً وإنما تم صبغها بالصبغة الدينية، وذلك استغلال للحريات التي تضمن حرية التفكير والاعتقاد وبهذا لن تجد معارضة، كذلك لكي تلقى دعماً من الداخل من أهل الدول التي ترسل الارساليات التبشيرية، إن المشكلة في التبشير هي ليست بالنصرانية، فالعرب عرب قبل المسيحية والاسلام ولا يفرقهم دين، بل ان المشكلة في أن هذه الفئات التي تستطيع الحملات التبشيرية إدخالها في النصرانية، تستخدم للتدخل بشؤون دولهم، تحت ذريعة حماية الاقليات، والتاريخ يشهد على هذا، فما حدث بالقدس لم يكن يختلف عما اقول، فعندما تمكن محمد علي باشا من ضم القدس إلى دولته، تولى من بعده ابنة ابراهيم الذي كان السبب الرئيس في زيادة التدخل في القدس؛ حيث أنه سمح بالحركات التبشيرية والارساليات ووطن جزء من اليهود، كل هذا أدى إلى زيادة تدخل الدول العظمى بالشأن الفلسطيني تحت مسمى حماية الاقليات، وهذا أدى إلى خلق مشكلة كبيرة عرقلت مسير الأمة وقوضت مسيرتها وخلقت نزاعا دينياً بالمنطقة، كما أن هذه الجماعات قد تتصف بالتبعية للدول الاجنبية أو قد تطالب بالانفصال وبهذا يتمزق جسم هذه الأمة من جديد .

ان المشكلة الحقيقية في هذه الحملات، ليس نشرها للدين المسيحي، لا فلا مشكلة في هذا فالمسيحيون اخوة لغيرهم من العرب وهم عرب مثلهم، المشكلة تكمن بالبعد الاخر من وراء هذه الارساليات، وربما ان جزء من كلام كبير المبشرين صموئيل زويمر حيث يقول :

“إن مهمة التبشير التي ندبتكم الدول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية، ليست هي ادخال المسلمين في المسيحية، انما مهمتكم ان تخرجوا المسلم من الاسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة له بالاخلاق وبذلك تكونوا انتم بعملكم هذا طلائع الفتح الاستعماري في الممالك الاسلامية وهذا ما قمت به خير قيام”

يتضح وضوح الشمس من كلامه ان مهمة المبشرين ليست نشر المسيحية، انما محاولة فصل المسلمين (ملاحظة عند الحديث عن المسلمين فهذا لا يعني تخصيص الموضوع بل لان المسلمين يشكلون اغلبية الوطن العربي وبالتالي ما يؤثر بهم يؤثر بالوطن العربي مباشرة) عن دينهم ونشر الرذيلة، بقوله انه يريد انساناً لا صلة له بالله وبالتالي بالخلق، وكل هذا يكون تمهيدا لغزو جديد وحملات استعمارية وبالتالي تأخير نمو هذه الأمة وتقزيم دورها في الحضارة الانسانية، وانهاكها على شتى الصعد، الاقتصادي والسكاني والعلمي وامتصاص ثرواتها واخضها لهيمنات جديدة، إن صبغ ثقافة حضارة على حضارة أخرى إلى حد الآن لم تكون ذاتها وملامحها يعيقها وبشكل كبير عن التقدم والنهوض .

– كثرة الحروب والنزاعات –

لعل أمتنا العربية أنثى حقيقية، لابد وأن تمر بدورة كل فترة محددة، أمة اعتادت نزف الدماء، لقد تعددت اشكال ومواقع نزف هذه الدم الا انه في النهاية دم عربي، لقد انهكت أغلب دول الوطن العربي بفعل الحروب الخارجية، كما حصل مع العراق في حربيها مع ايران وامريكا، وكذلك منها ما أكلته نيران الفتن واشتعلت به نار الحرب الاهلية، كما حصل في لبنان والعراق أيضاً، ان كل هذا ادى إلى ارهاق هذه الدول وانشغال من حولها بها وكذلك أدت هذه النزاعات إلى زعزعة أمن وراحة الكثير من الدول المحيطة، كل ما حصل من حروب، ادى إلى عزوف هذه الدول عن دورها في تنمية الأمة وتنمية ذاتها، وأخر من تقدمها وجعله تقدما حذراً، يرافق الخطوة فيه الخوف من الانزال إلى المتاهات والحروب من جديد، واستزاف للموارد والايدي العاملة، وتدمير للبنى التحتية، وبهذا اصبحت اغلب هذه الدول بحاجة إلى اعادة بناء من جديد، كما ان اثر هذه الحروب وبالاخص الاهلية يستمر حتى بعد توقفها، فهو يبقي الاجواء مشحونة ويجعل التحركات ضعيفة وجبانة، وكذلك قد تؤدي إلى قسم صف الشعب إلى اقسام عديدة متناحرة.

– العولمة –

ان العولمة تعني سهولة انتقال الاشخاص والافكار؛ برفع الحواجز بين الشعوب والامم، بحيث اصبح العالم قرية كونية صغيرة .

إن العولمة لها ايجابيات كثيرة، لكن سلبياتها على الدول التي لا تصدر بل تستقبل، فلكي تنقل افكارك واموالك وتعولمها لابد من ان تكون قوياً فعلا، والعولمة تلعب لصالح من يملك ما ينشر ووسائل النشر، ان الأمة العربية فعليا غير قادرة على ان تصدر للعالم اي شيء، فحتى ثقافتها العربية في داخلها مزعزة وأيضاً في بعض الاحيان رجعية، ولا تصلح للعولمة والنشر ناهيك عن ضعف إيماننا بأنها نافعة ومثيرة، كل هذا يجعلنا أمة مستقبلة تستقبل من الاخر، وكنا قلنا بان العولمة تلعب لصالح الاقوى من يملك شيئاً لينشره وكذلك من يملك وسائل النشر، وفي ظل كوننا امة مستقبلة فان الامم سوف تتهافت لتنقل لنا كل شيء لديها، هذه العولمة تتيح للدول الكبرى والمهيمنة ان تصبغ طابع ثقافي أو اقتصادي على الدول الضعيفة، وهنا نستذكر ما قلناه حول الهيمنة الثقافية والفكرية، ان هذا يؤدي إلى امور كثيرة، فعندما تلبس امة ما طابع ثقافي وتبدأ الامم بغزونا من شتى النواحي، فهذا يزعزع شخصية الأمة ويجعلها امة مقلدة، طبعا هناك بعض الامور التي تدخل علينا تكون مضرة بنا ولا تتناسب مع حياتنا، إن العولمة الثقافية بالذات أدت إلى احداث خلل كبير في مجتمعنا، فعندما تلقى هذا الجيل كل هذا الكم من الثقافات وانحاز لأحدها وقلدها وغيره كل هذا أدى إلى وجود ما يسمى الفجوة بين الاجيال، فجوة بين الآباء والابناء وكذلك تملق من القيم التي اعتاد عليها المجتمع، عندما يشعر جيل ما بأن حضارته مهددة وثقافتة كذلك وان ابناءة بدؤوا يختلفون عنه كل هذا يؤدي إلى خلق شعور سلبي تجاة العولمة .

أدى هذا إلى خلق العولمة الاصولية أو السلفية بالمعنى الديني، لكن مصطلح الاصولية افضل واشمل، فعند الشعور بان ثقافتك مهددة وانك تتحول تدريجاً إلى تبع وإلى ثقافة اخرى، فهذا يخلق لدى البعض نزعة حقيقة للماضي وللاصول، فتنخلق لدينا الأصولية لدى الآباء وربما الابناء، وفي النقيض تجد من ينجذب إلى التحديث وإلى العولمة فينخلق لدينا قسمين من الناس، هذا ضد وهذا مع، ان المشكلة في كليهما انه ربما نعود لنتمسك باشياء لا تلائم حاضرنا أو نأخذ اموراً لا تناسبنا أو مضرة بنا، طبعا دون ان انسى أن كليهما يؤدي إلى زعزعة بناء شخصية مستقلة للأمة ومواكبة لكل حديث وغير متملقة من قيمها، فالاصولية تعتبر ردة فعل ناتجة من شعور سلبي تجاة العولمة، كما انها تخلق الانعزال والتطرف احيانا بسبب تلك المشاعر السلبية تجاة العولمة، فمن يشعر بالتهديد بسببها قد يعارضها وينعزل عن العالم وينغلق على ذاته ويحارب كل ما هو خارجي، كما انها ادت إلى اضعاف اللغة العربية وكم عز أقوام بعز لغات .

إن العولمة جاءت في ظروف تجعل من أمتنا أمة مستقبلة لا اكثر لا تمنح شيئاً والكل يسعى إلى منحها اشياء، ان الخطورة في هذا ان الدول ذات النفوذ والعظمى قد يكون لها ابعاد سياسية وغيرها تهدف لها بهذه العملية، العولمة وما احدثته لهذه الأمة من تاثيرات سلبية في خلق فجوة الاجيال وازدياد الاصولية أو الانفتاح بشكل كبير على الآخر كل هذا يؤخر ويعرقل بناء شخصية الأمة وذاتها، وكذلك عدم قدرتنا على استغلال هذه العولمة بل واستخدامها بشكل سلبي كل هذا يؤثر سلباً على الأمة .

ان كل ما ذكرته لا يعني أن العولمة عدو وانها شيء سلبي، لا فهي لها ايجابيات وسلبيات، ومن المفيد جدا ان نعرف سلبياتها علينا؛ حتى نكون قادرين على اجتنابها وتحويلها إلى امر ايجابي .

– آلية عرض قضايا الأمة للمجتمع الدولي –

إن أمتنا تعاني من الكثير من المشاكل، وتملك الكثير من القضايا، التي أصبحت في ظل العولمة وفي ظل ظهور المنظمات العالمية التي تنادي بحقوق الانسان والمحكمة الدولية وعصبة الامم، وكذلك آلية خلقها ومن سببها، كل هذا جعل من هذه القضايا شأناً يهم العالم بأكمله.

و في ظل هذا كان لابد من عرضها للمجتمع الدولي من أجل حلها، وهنا حدث خطب ومشاكل كبيرة، المشكلة تكمن في أن هذه القضايا عرضت للمجتمع الدولي على أنها قضايا بحتة، على سبيل المثال القضية الفلسطينية، تم عرضها من قبل المحتل وأصحاب الحق على انها قضية دينية، وهذا أمر سلبي فعلياً على المستوى الدولي، فالمجتمع الدولي لا يمكن ان ينحاز لرواية دين معين على دين اخر، فهو بهذا يكذب دينا ويصدق دينا، وفي ظل ان اغلب الأدلة الدينية يمكن اعتبارها ما ورائية، فالمسلمون هي قبلتهم الاولى ومسرى رسولهم صلى الله عليه وسلم، واليهود هي مكان هيكلهم المقدس وغيرها من الاحداث الاخرى، في ظل هذا أصبح من الصعب التثبت في اي منهما رواية صحيحة، وبالتالي استعصى حلها، فلا يمكن للمجتمع الدولي ان يقول بناء على الرواية الاسلامية التي هي حقيقة بالنسبة لاصحابها فإن القدس من حق العرب، ولن يقول انه حسب الرواية اليهودية فإن القدس من حق اليهود، هذا احدث خللاً فعلياً وجعل البت في القضية أمراً صعباً لان كلاً من الطرفين يعتبر نفسه المحق ويقدم ادلة صعب جداً التثبت منها .

إن هذه القضايا لا يجب تداولها دولياً على أنها دينية، لأنها بهذا تتحول إلى صراع أديان عالمي يكون العالم فيه بموقف محرج، قد يجعله منحازا لطرف على طرف دون دليل قاطع أو يجعله راضخاً لضغوط سياسية أو اقتصادية لجهة معينة، وهذا يحدث خللاً لدى العالم كله بفقدانه الثقة بالعدل الدولي، وكذلك شعور أحد الاطراف بأن الآخر يكرهه أو انه مظلوم وهذا قد يؤدي إلى حروب، إن تداول هذه القضايا داخلياً على انها دينية لا يحدث مشكلة، لكن عرضها على المجتمع الدولي يجب أن لا يكون كذلك فالعالم لا يدين بدين واحد والعالم لا يدين بالحيادية .

كان من المفترض عرض هذه القضايا على انها حقوقية بحتة، ففلسطين من حق اهلها بغض النظر عن اي رواية دينية، الارض لأصحابها والمسجد للمصلين وهكذا، كما انه عند عرضها على انها حقوقية يكون بمقدور المجتمع الدولي أن يحدد موقفة ويتحرى الصواب، بعيداً عن التحيز لدين معين، وكذلك عرضها على انها قضايا حقوقية وتاريخية يسهل من حلها عند من يريد حلها، فعودة بسيطة بالتاريخ تعرف الحق لمن والدين تحدث عن تاريخ مخفي، فلا يوجد أي تقييد تاريخي لبناء الهيكل المزعوم غير في الكتب الدينية اليهودية، وكذلك لا وجود لتقييد حادثة الاسراء والمعارج إلا في القران، وكلا الطرفين ينادي بصحة كلامه.

لكن عندما ندرس القضية على انها حقوقية وتاريخية، سوف يكون الحسم سهلاً، فالكل يعلم من هم سكان فلسطين الأصليين ومن هم اهلها واصحاب ارضها، فلو صحت رواية دين على دين أو لم تصح، فالأرض أهلها معروفون، وان كان لك تاريخ ديني فيها هذا لا يعني أنها ملك لك، ان عرضها كقضية حقوقية وتاريخية يقيم الحجة على العالم ويلزمه بالحل .

إن تأخر حل هكذا قضايا أدى إلى أمور كثيرة، ساهمت في تأخر نهضة الأمة وزعزعتها، فثارت الحروب وانشغل الكل بهذه القضايا، ووجد لدينا كيان غاشم اشبه بوتد مدقوق في ظهر الأمة، هذا كله اسهم في تراجع الأمة وتأخر تقدمها وانشغالها باصلاح شأنها الداخلي .

– الخطاب الديني بين التصبير والوعيد –

في كل جمعه يقف الخطيب خاطباً بالناس، وكذلك الآن اصبحت الفضائيات التي تنقل الخطاب الديني كثيرة، كل هذا أوجب علينا أن ننظر في هذا الخطاب وان نوازنه ونبحث سلبياته وايجابياته، ان الخطاب الديني مهم جداً، فالخطاب الديني له تأثير كبير جداً على الناس لذلك كان لابد من استغلاله، لكن كيف ولمن !

يقف الامام على المنبر في موعده، ويحدث الناس عن نصر الله القريب، ووعده بالنصر، ويحدثهم عن نصرهم القريب، ويذكر لهم الوعود بالنصر والقمة والنهضة، يقف مولانا يقول ألا إن نصر الله قريب ويقول فلما بلغت القلوب الحناجر جاءكم نصرنا ويغدق على الموجودين بالوعود التي تفرحهم، لكن يا مولانا اذكر لهم ما هي شروط كل هذا اذكر لهم، لماذا لا تقول لهم وان تولوا نستبدل قوم غيركم، لماذا لا تقول لهم ان الله لا يغير ما في قوم حتى يغيروا ما في انفسهم، لماذا لا تذكر لهم شروط هذا النصر والوعيد، لماذا توهمهم أنهم سوف يصبحون خير الامم بمجرد جلوسهم بين يديك وانتظارهم لهذه الامور .

ان الخطاب الديني المجتزأ والمنقوص أوهم الناس بانهم سوف يصبحوا الافضل لكن المسألة مسألة وقت، وخلق لديهم شعورا بأن نصرهم عزهم نهضتهم مضمونة لكن المسألة مسألة وقت وهذا ابتلاء وعلينا الصبر إلى حين يأتي نصر الله، ان الوعيد وحتى الوصف بالخيرية في القرآن والاسلام جاء مشروطاً بشروط، لكن من يخطبون دينيا لا يتحدثون عن هذا بل يتحدثون وكأنه آت على أي حال كنا، ان هذا خلق لدى الجمهور تقاعساً كبير، وأدى إلى جعلهم يركنون إلى الراحة وينتظرون، ان الخطاب الديني كان يجب ان يكون محفزاً للنهضة والانتفاض، وتغير الذات والنهوض بالأمة لا انتظار نهوضها، فعندما تظل تبشرهم بالنهضة والظفر وتعدهم باخفائك عنهم شروط ذلك فأنت فعليا تجعلهم صابرين منتظرين، كما ان الخطاب الديني المسيّس أو ما يعرف بشيوخ السلطان أدى إلى سكوت الشعوب عن طغاتها لفترات طويلة، تحت مسميات وفتاوى مغلوطة تحرم الخروج على ما يسمونه ولي الامر رغم انهم لو فكروا لوجدوا أنه فعليا لا تنطبق عليه صفات ولي الامر.

–  مؤامرة أم سياسة عادية –

كثيرا ما نسمع عن المؤامرة، وكثيرة هي الأمور التي نلقي باللائمة فيها على المؤامرات، وهذا يجعلنا ملزمين في فهم هذه الحكاية. ينادي الكثيرون بأن العالم يتآمر على هذه الأمة، ويعيق ويعرقل تقدمها، ويقدمون الكثير من الأدلة والأمثلة على ذلك، يقال لنا أن أمتنا عانت منها لكن هل كانت فعلياً مؤامرة ؟

إن المؤامرة تستوجب السرية، لا يعلم بها أحد، لا يعلم عنها إلا من يخططها، المؤامرة تأتي غفلة من خلف الجدران، لكن أين ما يصيبنا من هذا المفهوم فعلياً؟ كيف نسميها مؤامرة ونحن نعلم عنها كل تفصيل من أطرافها إلى نتائجها، هل هذا يعتبر مؤامرة؟، أصبح كل فرد في هذا المجتمع مدركاً كلياً لسياسات العالم تجاهه، وأصبح الطفل والكبير يعرف ماذا يدور حوله، فإن كنا نعلم كل هذا عن ما نسميه مؤامرة لا بل نشرحه بالتفصيل الدقيق والممل ومنه ما نراه علناً، فهل تبقى هذه مؤامرة؟

نحن فعلياً نستعمل لفظ “المؤامرة” لكي نراضي أنفسنا ونوقع فيها رهبة اللفظ وما يخفيه من تعقيد وخطورة، كل هذا لكي نمنح أنفسنا العذر في صمتنا أمام ما يحدث وعدم قدرتنا على احتوائه وايقافه، إنها فعليا سياسة علنية وسياسة عادية، فلا اتوقع أننا ننتظر من الدول العظمى علاقة احترام متبادل معنا، إني أعترف وبكل بساطة بأهداف “المؤامرة” من إعاقة لتقدمنا ورغبة بإبقائنا في القاع، لكني لا اؤمن بانها مؤامرة من خلف الجدران تأتينا برهة ولا نكون قادرين على التعامل معها، إن ما نصفه بالمؤامرة وكما وضحت ما هو إلا سياسة عادية من دول عظمى مهيمنة، بكل بساطة هي ككل أشكال الهيمنات تتلخص في أن الدول العظمى لا تريدنا أن نكون أمة قوية ومنتجة، ليس لانها تخاف منا فتحولنا إلى مصدر خطر عليها لن يحدث بين ليلة وضحاها، بل بكل بساطة لأنها تريد أسواقا لمنتجاتها وتريد أمة غير قادره على استخراج ثرواتها، حتى انها تريد أمة اذا ارادت أن تحارب فهي لا تملك سلاحها، هذا ما يجب أن يكون في العالم من توازن، ونحن في هذه المعادله الموزونه السوق المستهلك، الكل يبحث عن سوق وعندما يجده سيحافظ عليه بشتى الطرق، والكل يريد أن نكون بهذا الضعف ليملك حقوق التنقيب والتصدير والاستخراج، إن العالم يتنافس علينا كسوق لبضائعه وكذلك كأتباع له، ونحن هنا لا نفعل شيئاً.

العالم انتقل من خلق الاسواق بينه إلى المنافسة من خلال البضائع المتميزة والصناعات الحديثة، ولم يتبق الا القليل من الاسواق التي لا تنافس وهذه ما سوف تسعى الدول العظمى لابقائها على حالها، أن احداثيات اللعبة واضحه ولا اعلم ماذا تبقى طالما نعلم الاطراف والهدف والكثير من الوسائل، فماذا تبقى من أمور لا نعلمها حتى نسميها مؤامرة؟ ربما تبقى شيء واحد علينا هو أن نميز منفذيها داخلنا وهم كثر، على هذا فإن سياسة الدول الطبيعية والمتوقعة في ابقائنا على حالنا -لاننا هكذا مريحون لها-، هذه السياسة تعيق تقدمنا وتقوضه وقد تنهج هذه الدول اساليب عديدة ومنها ما يكون عنيفا ربما، في ابقاء هذه الدول تحت اليد والسوق الاول، في ظل هذا تتضح سلبيات هذه السياسات ومدى تاثيرها علينا .

– الأبعاد النفسية لنظرية المؤامرة –

كما تحدثت سابقا عن المؤامرة وأنها سياسة دول عظمى، تسعى إلى الحفاظ على أسواقها وغيره، إلا أن نظرية المؤامرة لها من المساندين من لا حصر لهم، وهناك من يقتنع بها بشكل غريب يصل إلى حد الايمان، هذا ما جعل لهذه النظرية أبعاداً أعمق من الواقع السياسي الاقتصادي والعسكري، بل تعمق إلى داخل النفس العربية والفكر العربي، ولابد من أن نتعرض إلى آثارها في تلك النفس وفي ذاك الفكر.

إن المشكله بنظري بدأت عندما سميناها مؤامرة وجعلنا كل العالم تقريبا أطرافها، إن تسمية مؤامرة تعني أننا لا نعلم بها ولا نعرف ما سيحصل، هذا بالتالي يجعلنا عاجزين عن صدها لأنها غادرة وغير معلنة بل مباغته، هذا ما يوقعه لفظ مؤامرة في النفس البشرية، ومن هنا تجذرت المشكلة في إيماننا بالعجز أمامها وعدم القدرة على صدها، إن ما أوقعته المؤامرة في النفس ذو تأثير كبير، فتسميتها أصلا بالمؤامرة إن جاز التعبير جاء كمواساة للذات وكذبة بيضاء عليها لتهون عليها هذه الأهوال، لكن سرعان ما خدعت النفس ذاتها وصدق الكاذب كذبته وآمن كل الايمان بانها فعلا مؤامرة، ففي ظل محاولتنا للنهضه الشفهيه -وهي فعلا شفهيه ونادرا ما نرى فعلاً حقيقياً-، في ظل هذا ومع الفشل الذريع لنا أصبحنا بحاجة إلى ما نقوله لانفسنا لكي نعطيها عذرا ولكي نملك حجة أمام أبنائنا وكذلك أمام أجدادنا نبرر بها ما نحن فيه، وجاءت هذه النظرية مثل يدٍ مدّت من خلال الموج لغريق أو بريق لمع لتائه بالصحراء، لتنتشلنا من الحيرة والشعور بالفشل والعجز إلى الشعور بأننا نريد ونحاول لكن غيرنا يكيد لنا، هذه كله ولد شعوراً لدى الفرد العربي بأنه يستحيل أن ينهض فالمؤامرة تكيد له، أصبحت شماعة الفشل وأصبح كذلك كيدها النتيجة المستقبلية لأي مشروع نهضوي، فلماذا نحاول النهوض وغداً سوف تدمر المؤامرة كل شيء؟ دعونا نرقد بهدوء وننتظر النصر، هذا تماما هو حوار الذات عند بعضهم، “والله نحن نحاول لكن العالم يكيد لنا لذا لن ننجح ابدا”، إن هذه النتائج ذات تأثير أكبر من التأثير الواقعي، فهي تعيق في أنفسنا الفكر النهضوي والثقة بالنفس وتشعرنا أننا مستهدفون وأننا لن ننجح ابدا، وعجباً لمن يرهن فشله بوجود دولة او مجموعة من الدول وهو يدرك أنها لن تزول عن وجه الارض وبهذا يدرك أن فشله لن يتوقف، أضف إلى أنها أشعرت الأمة بشعور انها الافضل والأخيَر وأنها العملاق الذي يخشى الأقزام يقظته، مع انه لو استيقظ لبكى مثل الاطفال.

لقد شعرت أمتنا أن سبب المؤامرة هي أننا نحن مركز الكون مما خلق لديها شعورا بالتعالي رغم انهم لا يملكون شيئاً، وجعلهم هذا الامر يشعرون بنشوة كبيرة فلو كنا أناساً عاديين لما تكالب علينا العالم، نحن أفضل شعب ولو تركنا الناس لاحتللنا كل العالم بمنتجاتنا وبأفكارنا والدليل انهم لا يريدون لنا أن ننهض انظر كيف يعيقون تقدمنا، كل هذا واكثر جعلنا نجد شماعة فشلنا الذريع ونفقد ثقتنا بقدرتنا على التغيير والنهوض وكذلك خلق لدينا كل تلك المشاعر التي تشبع نفوسنا الواهمه وترضيها وتنتشلها من النظر المجرد إلى الوقع، دونما اي مجملات، كل هذا وأكثر أعاق تقدمنا ونهوضنا. لا أقول أعاق وأقصد أحداً غيرنا بل نحن من نعيق انفسنا ونخدرها بهذه النظرية، يكفي انها جعلتنا نتكلم عن انفسنا وكأننا دمى تلعب بها الأمم .

– حقب فشل ذريع –

مرت على أمتنا حقب من الزمن عديدة ومتكررة، أصابتها بانتكاسات وكذلك تراجع دورها الحضاري وإسهامها بالحضارة الانسانية، هذه الحقب كثيرة وعديدة يستمر أثرها إلى أيامنا ولكن بإمكاننا تجاوزها إن أردنا وكذلك علينا تجنب تكرارها، إن منها ما لا يزال حاضرا في أيامنا وبقوة وكأنما وقع البارحة، ولعله يسهم احيانا في دب الفرقة بيننا وقد يقتتل البعض من أجله، فها هي الأحداث المؤسفة الي وقعت والفتنة التي حصلت في أيام يزيد ومعاويه والحسن والحسين رضوان الله عليهم، فبعد أن حصل ما حصل من أحداث مؤسفة، تستمر هذه الاحداث معنا ذكرى وواقع، فمن بعدها أو بها تأسست أول دكتاتورية في عالمنا العربي، وبها انتقلت السلطة من الشعب إلى الحاكم وبدأ زمن السلاطين، إن الأبعاد لتلك الحادثة كثيرة، فناهيك عن شرخها لصف المسلمين وخلقها لمذاهب كثيرة وبناء أحقاد كبيرة بسببها، وخلق الفرقة كذلك فهي إلى حد الآن تثير الجدل حول بعض الشخصيات التي انقسمت الأمة حولها، فهي خلقت الجدل حول شخصية معاوية، وهذا الجدل خلق الآراء حوله ولنجد من يتعصب بسبب هذه القضيه، فكم من عالم حرم من دوره وكذلك من حقوقه ونعت بالكفر لموقفه من هذه الشخصية والأحداث، إنها اصبحت شغلاً شاغلاً وشعرة تفرق بين الاخوة لا يستطيع البعض ممن ضاق افقهم تجاوزها، انها تتعدى هذا وتزيد فلعلها كانت أول انحناءة من أمتنا للظلم وقبول به، ومن ينحني مرة يصعب عليه أن يستقيم، وما قام به معاوية بالبيعة لابنه وهو حي وكذلك ما تفنن به من جاؤوا بعده، حول السلطة من اختيار الشعب ومن يد الشعب إلى الحاكم، وما تم من سياسات أسست بنظري إلى ما نراه حاليا من علاقة بين الحاكم والمحكوم ومن جبن وخوف لدى الشعوب، فعندما يقبل الشعب ويقتل خيار الناس من أجل القبول بما جاء به يزيد وما قاله، ويتبعه ويعتبره خليفه ويقبل بمن يعينه بعده كل هذا جعل الشعوب تفقد معنى سلطتها وانها اللاعب الرئيسي في اللعبة، ولكي لا ابتعد واتعمق كثيراً فإن هذه الحقب وما خلفته من كل هذه الآثار السلبيه في ذاك الحين وإلى هذا الحين، أضعف من نهضتنا كثيرا وقوضها، فعندما تقبل الحكومة العثمانية بإدخال الطابعة إلى البلاد العربية بعد مئتي عام من صنعها لأول مرة، وتعزل الأمة عن مجتمعها الانساني ويعدم قادتها كل صاحب قلم أو فكر أو أحد أرباب المعرفة كما فعل جمال باشا السفاح في ساحات دمشق، وتسعى إلى تهميش لغتها وإلباسها ثوب حضارة أخرى وتقمعها، كل هذا أدى إلى تخلف الامة وتأخرها عن ركب الأمم وعدم قدرتها على اللحاق بها، ليظهر تأثير هذا إلى أيامنا ومنه ما زل يستمر على أيدي حكامنا .

– الحاكم العربي –

منذ زمن انتهى زمن الشعوب وجاء وقت السلاطين والأصنام الحية، واصبحنا نخلق الطغاة، لقد تفنن هؤلاء الحكام في اختراع أحدث السبل لاستعباد الشعوب، إن المحتل انتهج معنا سياسة فرق تسد، وحاكمنا انتهج سياسة الجهل والتغييب، دائما ما كان القلم الحر والعقل المفكر عدوا للحاكم الطاغية، إن حاكمنا العربي يسعى وبشتى السبل إلى أن يبقى طول عمره على عرشه، لذلك بدأ يبحث عن سبل الخلود على هذا الكرسي وطريقة توريثه، فسارع حكامنا إلى خلق شعوب همها الوحيد طعامها وشرابها وقوت يومها وتكاد لا تحصلهما، كي تنشغل عن كل ما غير ذلك وتشتغل في تحصيل حياتها وحقوقها الضائعه وبين الحين والآخر تاتي هدية من ذاك الحاكم يسد فيها القليل من رمقهم ويسد أفواههم، لقد لعبت حكوماتنا عنا أدواراً كثيرة، لعبت دور القارئ الاكبر؛ فحددت نوعية الكتب التي تريد للشعب أن يقرأها، وحجبت كل ما قد يسبب لها المشاكل ومنعته، وجرمت الفكر والنقد وحطمت الأقلام الحرة وصادرت من الشعوب حقها في التعبير بأن شغلتها بأمور يومها، وشرعت للفساد قوانين تحلل سرقة المتنفذين وتحلل مال الشعب وممتلكاته، ووضعت كبار اللصوص في كبار المناصب وصغار اللصوص في قلاع متينه، لعبت دور الجلاد بأن جلدت شعبها بالضرائب وتحججت بسياسات البنك الدولي وغيره، وأبرمت ما يضمن لها المرحبه من المعاهدات والاتفاقيات دون اكتراث بالشعب، جوعته وفقرته وبنفس الوقت خدعته وأرضته ببعض الامور ليبقى تحت اليد وضمن فكي الكماشه، زرعت في شعوبها الخوف من التغيير وقدمت له النهضه والتنوير على أنهما خراب الدار، استمر حاكمنا العربي بخلق الخراف فأغدق على شعبه بكل شئ يلهيه ويبعده عن أن يفكر أن يثور أن ينهض، حتى انها ترواغ شعوبها عندما تطالب بحجب المواقع الاباحيه لانه وببساطه هذه المواقع من صالحها فهي تبقي الناس بعيدين عن شؤون السياسة وتفسدهم، استمرت الحكومات في سن القوانين المجحفة والظالمة وكذلك طبعت لطلابها مناهج تلقينيه لا اكثر، احفظ ولا تفكر واحذر أن تنقد، خدعته عندما عرضت عليه إنجازات بلده في عشرات النقاط وظللته عندما اظهرت له انه في المراتب العليا لولا ضعف الامكانات ومحدوديتها، وإلى حد الان يستمر حاكمنا العربي في انتهاج سياسات عديده وكثيره، ولنا بحوار الحبيب بورقيبه والقذافي خير مثال حين قال الحبيب للقذافي : انشر العلم والتعليم وثقف شعبك، فقال القذافي : هل تريدهم أن يثوروا علي؟ فرد الحبيب قائلا : “أن يثور عليك شعب مثقف خير من أن يثور عليك شعب جاهل”، هم لا يريدون لك أن تنظر إلى الواقع بنظره غير التي يصورونها لك، الأمن والامان التي خلقهما القائد لك، المصائب التي انتشلك منها، تخيل حالنا لولاه سوف نصبح دماراً، إنه شرف الدوله وهيبتها ولا يجب أن تمسه، خلقت لديه الرهبة من القائد حتى تمثل القائد له كالالهة في الارض، أن هذه الامور من رغبات الحاكم في الخلود هو ابنائه في الحكم الذي لن ياتي الا على حساب نهضة الشعب وعلمه وثقافته جعل الكثير من شعوبنا ترضخ في القاع وتتخلف عن ركب الحضارة .

– خداع لئيم –

هناك الكثير من القضايا والأمور شكلت قضايا محورية بالنسبه للشعوب، وكذلك كانت وتراً حساساً يسهل ترقيص الشعب على انغامه، فأجاد الكثير استغلال مثل هذه القضايا المحوريه جيدا واستخدامها بشكل لئيم جدا.

إن القضية الفلسطينية والقومية العربية والوحدة الاسلامية تعتبر من اكثر القضايا محورية بالنسبه للشعوب وذات اهميه كبيرة، لذلك فإن اي كلام عنها يروق للشعب يجعله مفتوننا بقائله، فعلياً هذا ما حصل فكم من أنظمة رقصت شعوبها على ايقاع وانغام هذه الأوتار وخدعتها باسمها، سوف نسعى للقومية، القضية الفلسطينية هي وجداني وشغلي الشاغل، لن نتنازل عن القدس، إلى آخره من هذا الكلام الذي أجاد الحاكم العربي استخدامه وخدع شعوباً وأمماً كاملة باسمه وباظهار نفسه الجندي الاول في سبيل تحقيقه، رغم أن منهم من كان فقط يكذب باسم تلك القضايا لإسكات شعبه وخلق قيمة لنفسه عند الشعب، ومنهم من ارادها فعليا من أجل توسيع سلطاته ومن اجل طمعه في توسيع نفوذه لدرجة انه كان مستعدا لاستخدام القوة من أجلها، إن هذه القضايا تلعب دورا حاسما في مصير ووجدان الأمة، فالقومية ووحدة الصف العربي سوف تلعب دورا كبيرا في إعلاء شأنهم ومكانتهم والتسريع من نهوضهم، واستغلال هذه القضايا يعد من أمكر الأفكار وأكثرها خبثاً، فحساسيه هذه القضايا خلق من شعوبنا جمهورا نفسيا متجها نحوها، فهي حلمهم الشريد وأملهم الطريد، والكل يملك الشعور بضرورتها ومدى جمالها، هذا خلق منا كشعوب جمهوراً نفسياً أجاد شخص ما استغلاله وخلق بيننا وبينه علاقة حب، باظهاره حماسة زائدة عن اللزوم تجاه هذه القضايا وأيضا بظهوره بصورة المهدي المنتظر لهذه القضايا.

 إن هذا خلق الرهبه بالمعنى النفسي، اي أن هذا الشخص أو هذه الفكره أصبحت محاطه بهالة من القدسية وتحريم المساس بها، فمات النقد لهذا القائد مع التخوف من ردة الجمهور وطمس كل الشخصيات الواعية، وتحول أغلب الشعب إلى افراد منومين مغناطيسياً وموهومين بحب القائد ومعلقين بالأمل به، كل هذا جعلهم يسكتون عن ظلمه وطغيانه وجعلهم يغضون الطرف عن مساوئه، إن تبعات الموضوع تخطت أن الشعب تحول إلى مولّه وعاشق للقائد هذا مما جعله يغض طرفه عن امور كثيرة ويضحي عن بعض الامور في سبيل موقف الحاكم من هذه القضايا، فالمشكله هي عندما استفاق الشعب وغالبا بعد فوات الاوان، عندما وجد نفسه موهوما ومخدوعا وعرف أن هذه القضايا خاسرة لان ذاك الحاكم الذي فشل في تطبيقها كان يمثلها، ففقد الشعب ثقته بهذه القضايا وبأنها القضايا الرابحة وتزعزت ثقته بها إلى أبعد الحدود، وكذلك فقد ثقته بكل من ينادي بها ويتخذها سبيلا، فأصبحوا يعتبرونه كاذبا باسمها حتى وإن كان فعليا جاداً في الرغبة بتطبيقها.

إن اللعب على هذه الاوتار واستغلالها بشكل لئيم، أرضخ الشعوب لطغاتها وأفقدها ثقتها بقضاياها الجوهرية وقيمها العليا وأصبح كل من ينادي بها إنسانا كاذبا او مخادعا، وإن خسارة هذه القضايا يعد خسارة خطوة كبيرة جداً على درب النهوض وتراجع خطوه للخلف .

– النزعة التاريخية –

فعليا يجب أن اكون حياديا مع هذه النزعة، فهي كانت سببا كبيرا في نهوض الكثير من الأمم، فمن الأمم من لم تجد لنفسها صفحة مشرقة في صفحات التاريخ فصنعت واحدة، ومنها من وجدت صفحات مشرقة وهي الآن تخط صفحات سوداء فانتهضت، إن هذه النزعه إذا صاحبتها الغبطة والغيرة والشعور بالأسى على الحال وعلى الماضي الذي قد تكون أضاعته وكان مشرقا او أمضته بالسواد، عندما يتولد شعور سلبي تجاه الحال ورغبة بالتغيير تخلق ثورات وانتفاضات رائعه،

لكن لماذا وضعتها مع المعيقات ؟

إن الأمر مختلف مع أمتنا وبشكل غريب لكن لابد من أن يتغير وهذا ما نتمناه، إن ما حدث معنا فعليا هو نزعة تاريخية سلبية، نحن ننظر إلى ماضينا المجيد المليء بالاختراعات والعلوم والفنون، لكن بدل من أن نشعر بالحزن على أننا فرطنا في كل هذا، يتولد لدينا شعور بأننا افضل الناس فاجدادنا فعلوا كذا وكذا ونظل نسردها، حتى نتشبع بها ونصبح وكأننا نحن من أنجزها، ثم نكتفي بها ونشعر بأننا الأعلون بها ونعمي اعيننا عن حاضرنا التعيس، الأصعب من هذا هو أننا ننسب الفضل في نهضة الأمم الأخرى إلينا وإلى اجدادنا وتاريخنا ونقول: اوروبا كلها نهضت على أكتاف عمالقة الاندلس، ونشعر أننا الاصل ولنا الفضل وغيرنا عبارة عن متطفلين سرقوا حضارتنا وبنوا فوقها، لكن فعليا هذا دليل على عيبنا وعجزنا فهم استفادوا منها وأسسوا للنهضة ونحن كنا نلعب ونلهو، فعندما كنا نحرق كتب ابن رشد وإلى حد الآن منا من يكفره أو يزندق ويشوه صورته امام ابنائه، دخلت كتب ابن رشد اوروبا وسموه المعلم الاكبر.

هذا هو تاريخ الحضارة والنهضة فكل نهضة تحدث ترمي بثمارها في أماكن عدة وهذا أمر طبيعي فلا أحد يبدأ من الصفر في ظل وجود اشياء فوق الصفر يستطيع البناء عليها، ونحن إن أردنا النهوض سوف يكون فوق أكتاف عمالقة اوروبا وامريكا وعلى علومهم لن نبدأ من الصفر، هذا أمر طبيعي جدا، لذلك لا حق لنا في أن نعيّر العالم بأنه قد اخذ العلوم من أجدادنا، بل ربما علينا شكرهم لانهم حافظوا عليها، إن هذه النزعة التي تشعر الفرد العربي بأنه هو من أسس لهذا العالم وأن الفضل له تجعله يشعر وكأنه الأعظم وانه الافضل، تتحول انجازاتنا إلى مجرد كلام صوتيات تنتقل بين الفرد والآخر: أجدادنا فعلوا وغيرهم بنوا ونعيب على من بنى بناءه على قواعد اجدادنا، هذا فعلياً ما يحصل فنحن أمة ماضيها حاضرٌ فيها بقوة وبشكل سلبي فبدل الحنين إلى إرجاعه يبرق اصبحنا نشعر بالنقمة على العالم لأنه استفاد منه، وما ذنبهم إذا كنا كسالى، الاكتفاء بالإنجاز التاريخي هو أكبر معيق في الشخصية العربية، لانها تشعر أنها مركز الكون وأن الفضل في كل شيء عائد لها، إنها فعلياً إنجازات صوتية لا أكثر.

خاتمه –

إن كل ما ذكرته في المقال يعبر عن نظرتي الشخصية، ويعبر عن آرائي وآمل منكم تقبلها بصدر رحب .

كل ما ذكر بالمقال لا يعتبر شماعة للفشل، أنا ألقيت الضوء على الأسباب الخارجية والداخلية، وفعلياً الاثنان مردهما لنا، فنحن من انحنى ليركب العالم على ظهره، ونحن بجهلنا وكسلنا أسسنا لكل تلك الهيمنات، فنحن بشر وهم بشر ولنا بهم المَثل، فكما استطاعوا أن يهيمنوا نستطيع نحن على الاقل أن نتحرر من هيمنتهم، نحن بشر وهم بشر ولا أحد بيننا إله، كذلك بامكاننا أن نغير من انفسنا ليتغير كل حالنا فنحن اللغز والأحجية في هذا الموضوع .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s