عبدالله عطيّه: رسالة إلى ظهر الغيب

إلى إبني الذي لم يولد بعد،

إذا وصلتك رسالتي، فالظاهر، والله أعلم، أن المجنونة التي أجنّتني بها ومعها قد قبلتني بعد نضال طويل، وكنت أنت ثمرة حبّنا. وعلى الأرجح، نظرا للظروف الراهنة، فإن قدومك إلى الحياة لم يكن مخطّطا له بأي حال من الأحوال. أكتب إليكَ باعتبارك مولوداً ذكرا. لا لشيء، ولكن تماشيا مع الجو الذكوري العام، أدامه الله في ديارنا، وحمانا من شر النسوية والنسويّات (يا كريم).

أبوك، يلعن أبوك، مريضٌ نفسيٌ مصاب بمجموعة من المتلازمات والعوارض… ورسالتي إليك جزء من العلاج النفسي الذي أعتمده والقائم على مفهوم الفضفضة. لذا أرجو منك أن تتحمّلني بينما أفضفض لحضرتك ما يلي:

– أنا، يا بني، من جيل ما بعد الحرب اللبنانية الأهلية (بمحلية) الأول، حيث أني ولدتّ في العام 1990 أي آخر أعوامها المديدة والسعيدة. لا أدري كيف يجب ان تكون حيوات الناس بعد أن تحط الحرب أوزارها، ولكنّي وأبناء جيلي نعيش حرباً أخرى. نعيش حرباً باردةً تشوبها بعض التنفيسات المسلّحة من أجل تخفيف الإحتقان.

– الجميع هنا في الولايات المتحدة اللبنانية ينادي بالعيش المشترك، والعيش المشترك غائب عن السمع. نعم هناك مفاهيم عامة ومشتركة متعلقة بالعيش، كالكنتونات والإنعزال ورفض الآخر. دعني أخبرك سرّا يا بني، هذا البلد ليس بلداً بالحقيقة (ولا قطعة سما). التاريخ يذكر فيما يذكر أن الجنرال هنري جوزيف أوجين غورو (قدّه) أنشأ دولة لبنان (الكبير!!)، مشكوراً، منذ أقل من قرن، وإلى الآن لم تتّفق الجاليات الموجودة في هذه المساحة الجغرافية على ماهيتها وهويتها.

– كنت سابقا لا أحلم، أو لا أتذكّر شيئاً من الأحلام التي أراها في ساعات النوم. أحنّ إلى تلك الفترة. نومي الآن حافل بأحداث وشخصيّات تملأ أوقات اليقظة، كأني مستيقظٌ 24 ساعة في اليوم. تخيّل، فقط تخيّل، أني حلمت البارحة بإبراهيم الأمين وعلي الأمين يتصارعان على الحلبة والحكم كان نجيب ميقاتي. ربّما لا تعرف هذه الأسماء ولكن في زمانك سيكون هناك أشخاص مثلهم بأسماء أخرى.

– رفيق الحريري بالتأكيد تعرفه بما أن البلد كلّه مسجل بإسمه. أنا لا أطيق الرجل وما مثّله من توجه نيوليبيرالي سامّ، ولكن لا أستطيع أن أعبّر عن كم المشاعر الهائل تجاهه لأن هناك من يحبّه. هناك أناس فقراء عانوا الكثير من سياسات كان الحريري رأس الحربة في تطبيقها وهم يحبّونه بصدق. ما الحلّ؟

– في السابق، في زمان أقلّ تعقيدا من الآن، كان الإنقسام واضحا وبسيطا. كان هناك اللي معنا واللي ضدنا. أما الآن فقد اختلط الحابل بالنابل. الآن هناك المؤيد للقضية الفلسطينية معارض للنظام السوري، وهناك الغير معني بالقضية الفلسطينية المؤيد للنظام السوري… وتعا قيمني (وجيب معك كم واحد يساعدوك). انفرط عقد الجبهات الممانعة والمعتدلة منها لتتشكّل جبيهات صغيرة لا حرف لها ولا طرف. الإسلام السياسي بنسخته الإخوانية الآن صديق أميركا الأول، أو الثاني – بعد الوهابية، في الشرق. بصراحة، أحن إلى الزمان الذي كان فيه إمبريالية أميركية وأتباعها، ونحن، الشعوب، على المقلب الآخر.

– أخيراً، إبني العزيز، لدي شعورٌ أنّك ستكون عاقّاً بحقي. لذا من باب الإحتياط وعلى صحة السلامة: تبّا لك.

بقلم صديق الصفحة عبدالله عطيه

من مدونة منقوشة

ملاحظة: المقال يخوض في وجهات نظر صاحبه ولا يمثل بالضرورة مدونة أصحاب العقول النيرة.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s