‎عبد اللّه عبابنه: التحليل الواقعي لهوس التحريم

228905_531018296924991_560997770_n

كثرت في ايامنا هذه فتاوى التحريم، التي تضيق على الناس في كثير من مجالات حياتهم، حتى ان احدنا اصبح يقول :”الهواء في بلادي اكسجين و نيتروجين و حلال و حرام”، فما السر في هذه الحاله التي غزت مجتمعنا و تطرفت الى ابعد ما يمكن، حتى ان جل جوهرها اصبح العسر و التضنيك، فهذا الموضوع يطرح تساؤلات كثيره وكبيره منها ما لربما نتوفق في اجابته و منها ما قد نقف بالعجز امامه.

اولا ان البت في هذا الشأن يجعلنا مترابطين بعناصر الحاله؛ الفقيه و التشريع و العامه، و هنا مصطلح العامه الذي لا اتفق معه و لكن اسرده لانه دارج، فالعامه تعني عند الفقهاء و المفتيين عوام الناس و كانما هم الاسياد، المهم نضطر الى استخدام هذا المصطلح الطبقي، هذه العناصر الثلاث ذات الترابط الوثيق هي عناصر الفتوى بشكل كامل. فالمشكلة تبدأ من عند الفقيه و العامه في دور مترابط، فالعامه التي لا تعرف امورا كثيره بالدين و تنساق خلف اراء فقهائها دونما تفكير تمهد للمفتي التفرد و الدكتاتوريه، فعندما يجد ندرة من الناس من هم قادرون على معارضته من بين العوام فانه يبدا بالتفرد بالراي و الاستبداد به و مع قدرته على الرد على اي معارضه او مخالفه قد تنشب تجاهه من الداخل و ذاك بطرق عديده منها مخزون الكلمات التي بامكانه ان يلقيها على معارضيه، قد تقلب عليهم حياتهم و تجيش مجتمعهم ضدهم و منها ” الفسوق، و الزندقة، والكفر”، هذه الكلمات و ردة الفعل التي تثيرها في المجتمع تشكل لجام و قوة قمعيه قوية لاي اعتراض قد يلقاه من العوام، و بالتدريج و مع تعالي صوت هذا الفقية و ازدياد اتباعه و زخرة كتبة او برامجه، يتشكل لدى العوام جمهور نفسي يشترك في شعور ايجابي واحد تجاه هذا الشخص لانه صاحب علم واسع، و شعور سلبي تجاه معارضيه لان معارضته ارتبط بامور تنفر منها العوام، بهذه العوامل يتشكل لدينا ما يسمى الرهب .

الرهبة تشكل خطر حقيقيا على الفكر الناقد، و كسرها يحتاج الى قوة لا يستهان بها، فالرهبة تجعل موضوعها محاطا بنوع من القداسه و هالة التعظيميه، تجعل من الخطر معارضته خوفا من ردة فعل الجمهور النفسي الواقع تحت تاثيرها، فعندما تجد مجموعة من الناس يمتلكون جميعا شعورا ايجابيا تجاه شخص ما و من ثم تتكون لديهم الرهبة، فتجدهم يتقبلون منه امورا و ان كانت تافهه و لا تجد اي اعتراض عليه او حتى رفض، كل هذا لان الرهبة تعني انك لا تخشى معارضة المفتي بل تخشى ردة فعل محبيه، فحالة الجمهور النفسية الواقع تحت تاثير الرهبة تجعله قاتلا محترفا للنقد و الاعتراض تحت ظل الخوف من ردة الفعل، و مع اقتناع الانسان انه ان عارض المفتي فان المجتمع لن يتوانا في نبذه و في رفضه فانه يفضل السكوت على الكلام، فيتكون لدينا قطيع يمكننا ان نقول عنه المطية الطيعه، يمشون اينما اشار لهم شعور الرهبة الذي وقعوا او بالاحرى اوقعوا نفسهم تحت تاثيره.

تاثير الرهبة واضح جدا في امور عدة، منها تعظيم القاده و السكوت عن افعاله، الخطر لا يكمن فقط في القبول لارائهم و السكوت عن اخطائهم، بل يكمن في ان موضوع الرهبة هو المعيار للخطأ و الصواب، فما يفعله يصبح صواب و ما ينبذه يصبح خطأ، لذلك لا تجد جمهوره فقط يسلم له بل يدافع و بشراسه عنه و يبرر اي خطأ قد يقع فيه و يحتج عليه شخص ما، و هذه الرهبة تتكون تجاه امور كثيره و منها ما يكون حتى التاريخ، فنحن نعلم و نرى كيف يقدس البعض الكثير من حقبه التاريخيه التي ظهرت حقيقتها لكنه يرفض ان يراها، و يستمر بالدفاع عنها و تبربر مواقفها، بامكانك ان تلاحظ هذا الشئ بشكل قوي اذا اعترضت على كلام لشيخ ما مثل ” ابن تيميه او ابن القيم”، جرب هذا ولو لوهلة لترى كيف ان ردة الفعل لن تكون مرتبطه البته بموضوع الاعتراض بل بالشخص الذي اعترضت عليه، فتجده حالا يباشرك بقول : هذا شيخ الاسلام و من انت اصلا حتى تعترض و ما العلم الذي لديك؟ ، و يبدا حالا رغم انه لا يختلف في المستوى العلمي عنك بهذه الامور يبدا بالتكلم و كانما هو الفقيه العالم و يبرر الموقف الذي اعترضت عليه بطريقة قد تكون ساذجه جدا، هنا تتاكد من ان حبك للشئ يعميك و يجهلك.

الان و بعد ان تطرقنا بشكل جيد لحالة العوام، فما انعكاس هذا الشئ على المفتي نفسه. ان انعكاس هذا الشئ على شخصيته يكون عميق الاثر، فهو و بالتدريج يبدا لديه حب التسلط و السلطه بالنموا، و مع الوقت يسعى الى السيطرة على هذا الجمهور بإبقائهم تحت تاثيره عن طريق تواصله معهم بشتى الطرق، انعدام الاعتراض و غياب النقد يتحول الى امور اخرى عند المفتي لانه لا يدرك اسبابها، فهو يضن في صمتهم و عدم اعتراضهم تسليما مطلقا له، و اعتبارا لكلامه بانه الصواب المطلق، فتمنوا لديه الثقة الزائده في نفسه و في علمه، و يبدا بالغرق بوهم العلم و الاحاطه بكل شئ و لبرما العصمه دون ان يشعر، فهو يعلم انه حتى و ان اخطأ لن يجد اعتراض من العوام، فتجده يفتي و يقول فيما يعلم و ما لا يعلم، و لا يترك شاردة او واردة الا يفتي بها.

لكن لماذا هذا الشئ كله؟، و لماذا هذا الزخم بالافتاء؟، و لماذا التحريم بالذات؟، ان السلطوية التي تخلق عندهم دونما شعور تجعلهم في رغبة دائمه للسيطرة و لادراك سيطرتهم من خلال سلوك جمهورهم، من هنا يصبح من الجميل عنده و من المستحب ان يرى تاثير كلماته على جمهوره، و يدرك مدى انطياعهم له، فيكثر من الفتاوي ليشعرهم بهيمنته و بسيطرته و احاطته بهم في الكثير من مجالات حياتهم، من حياتهم الزوجيه الى المسلسلات الكرتونيه التي يشاهدها اطفالهم، فيجدون مفتيهم في كل مكان و كل شارده فيغرقون تحت سيطرته و هيمنته، و هو يستمتع بهذا الشئ، ان هذا طغيان حقيقي و بل إلتماس من صفات الله للانسان، لا اعلم ان كنت جازفت في هذا الشئ لكن حقا انا اشعر انهم يريدون ان تحضر سلطتهم و هيمنتهم و تقيدهم للناس دائما و ابدا في كل مكان و كل شئ مع غياب ذواتهم و كيانهم عن الناس، و اما اختيار التحريم بدل التحليل، فهو يعود الى تاثير كلمة حرام و التحريم، فهوا لن يشعر بسلطته ان احل لهم لانهم و بهذا لا يتكلفون شئ او بالاحرى لا يعانون من اجل الانضباط تحت فتواه، فالاباحه او التحليل هي الاصل في اغلب الامور لان الانسان يطمح الى كل ما يريد و ما يرضيه، فعندما تكون اغلب فتاويه حلال فهذا لا يعد سلطه ابدا لان المنقادين له لا يتحاملون على انفسهم من اجله، فتجده يكثر من فتاوى التحريم لكي يرى سلطته الحقيقيه في ارغامهم للناس و جعلهم يقاومون انفسهم تحت تاثير كلامهم،

هنا و انا اخرت هذا البند الى اخر الموضوع ذلك لانه سوف يشتمل فرعين، البند او الجزء الاخير الذي يجب ان ندرسه هو التشريع او بالاخص الشرع، و هي الكتب التي يستمد منها المفتي علمه و سلطانه، انها الكتب المقدسه و سير الانبياء، هذه الامور تسهم على اتجاهين مختلفين نوعا ما، فهي تساهم في خلق الرهبة بشكل اكبر و اقوى من ذي قبل، لان العوام تملك اعتقادا بان هذا المفتي اصبح ترجمان الله و انه يستمد سلطته من الله، لانهم يعتبرون انه ياخذ كل فتاويه من كتاب الله او سيرة النبي، فيتكون لديهم الحس بان هذا الرجل هو خليفة الله و هو الصلة بينه و بينهم، فيصبح اي اعتراض عليه يعد اعتراض على كلام الله او امره لظنهم ان كل فتاويه تستمد ذاتها من الكتب و السير لانهم لا يدركون ان اغلبها اجتهاد من عنده و احيانا ابتعاد عن النص خالص، و يحتمل الصواب و الخطا لا التقديس و حسب، فلا تجد معارضه كي لا يكون هذا اعتراض على الله، اما الجانب الاخر فهو تاثيرها على المفتي، فهو يبدا بالشعور بان يستمد فتاويه من عند الله و سلطته من عنده، فينتابه شعور بالثقة قوي جدا و يشعر انه مؤيد من عند الله في كل قول يقوله، فيكون واثقا من ارائه متزمتا في وجه معارضيها، فهو يسند ظهره الى شئ قوي.

ان الغريب هو ظهورها في هذه الاوقات، انا هنا و كما في كل المقال لا اعبر الا عن وجهة نظري، ان الظروف الحالية ادت الى تنامي الحس الديني او بالاحرى العاطفه الدينيه عند الاغلبيه، و هذا ظاهر بظهور قوة الاحزاب الدينيه، في الوقت ذاته يشكل انفلات من سلطة هؤلاء الفقاء، فتجدهم على اثنين اما ان احدهم توسعت سلطته الى عدد كبير من الناس بسبب تنامي الشعور الديني لدى المجتمع و هذا ظاهر في مصر مثلا، او تجده يرى في هذه الاحول انفلات من تحت يده، كيف يكون هذا و ما تاثيره. ان كلا الامرين يؤدي الى زيادة هذا الهوس بالتسلط و التحريم لكن احدهم يكون ممارسة لهذا الهوس لانه يملك جمهوره و الذي ازداد و الاخر يمارسه لاعادة ضبط جمهوره الذي يشعر انه انفلت منه، ان السلطه الدينيه لا يحق لنا ان ننظر لها بشكل منفصل عن الحكومات و السلطات السياسيه،  جميعنا نعرف موقف اغلب الفقهاء من السلاطين و الحكام عندما كانوا موجودين، ان فكرة الدين الى جانب السلطه خلقت القومية الدينيه، اصبح المفتيون على اختلافهم صبون في جنب السلطان فما حصل من ثورات و من انقلاب على الحكام يعد بنظرهم بداية انفلات من تحت سلطتهم، فهم من صدعوا رؤسنا بتحريم الخروج على الحاكم و هم من امرونا بالصبر على السلطان و ان جار و ظلم و هم كذلك من طالبنا بان نحترم الشرعيه الالهيه التي يتصف بها الحاكم او ما سموه ولي الامر، و لكن بين ليلة و ضحاها تجاهل العوام كل هذا و انقلبوا، ذاك لانهم شكلوا جمهورا نفسيا اقوى تجاه الاستياء من الحكام، فهذا يعد انفلات بالنسبة للمفتيين و الفقهاء م دائرة سلطتهم و من هيمنتهم، لذلك يحاولون اعادة سلطتهم من خلال ركوبهم للموجه و من خلال تكثيف الفتاوي و الظهور الاعلامي و التدخل بالسياسة، التي كانوا يخافون من الاقتراب منها فيما سبق لكنهم الان يرون ان العوام تتجه لها من دونهم او من دون وجود ثقلهم هناك، فيتدخلون بها و يفتون عليها و بها و يسعون الى ضم من فيها غلى سلطتهم فلذلك يتحول الافتاء من ممارسة لرغبته في السلطه الى اداة لتوسعة هذه السلطه.

بالنهاية انا لا ادعوا الى ترك الافتاء كليا، لا فانا اعلم ان هناك امور يصعب على الناس البت فيها، و هناك امور لا يفقهون بها، و هي امور بالغالب لا تحتمل تأويلات، فمثلا امور الميراث و غيرها هذه امور لا يتمكن فيها الفقية من فتل عضلاته لان ما فيها صريح لذلك الرجوع اليهم فيها لا مشكلة فيه، لكن ما نراه على التلفاز من امور تصيبنا بالعجب من الاسئلة التي تجد ان امرها واضح جدا، فهذه هي ما سببت توطين هذا الهوس و التسلط، فوظيفة الفقية هي مساعدة الناس فيما استعصى عليهم من الامور ما لم يجدوا له راي عندهم لا في كل منافذ حياتهم، فقط اذكر بقول الرسول صلى الله عليه و سلم الذي لو تذكره الكثير من الناس لجنبونا الكثير من هذا الذي يحصل قوله :” استفتي قلبك ولو افتاك الناس و افتوك”، إستفتوا قلوبكم و اجعلوا الدين يخرج منكم لا يصب عليكم من الفقهاء صب.

بقلم: عبد اللّه عبابنه

للرد على صاحب المقال أو للمساهمة بمقالٍ لكم يمكنكم إرسال مقالاتكم إلى بريدنا الإلكتروني illuminatosanimos@gmail.com  ونحن لا نمانع في نشرها شرط أن لا يحتوي المقال على إهانة شخصية إلى أيٍ كان وشرط أن يحذو حذواً بناءً وأسلوباً جامعاً لا مفرقاً

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s