نحو تفعيل التفكير .. مشكلات مصرية

innovation
نحو تفعيل التفكير .. مشكلات مصرية

نحو تفعيل التفكير .. مشكلات مصرية
بقلم طارق يحيى

كم من المشكلات كانت مستعصية ثم إذا بالحلول وقد بدأت تلوح، فقط لأنه قد ظهر مَن استطاع أن يصف المشكلة فى صورة تجعلها قابلة للحل…
من هذا المنطلق وتحت هذا المسعى، أظن أنه من أهم واجبات العقل النيّر أن يبدأ بملاحظة المشكلات ثم يعكف على صياغتها فى صورة تجعلها قابلة للحل… لأن هذا هو روح التفكير الذى نحتاج إليه فى ظل تلك الإحن والمحن التى تعصف بأوطاننا… نحتاج إلى جيل يكون هو الجسر الذى يربط المعرفة بالفعل، مما يكسبها تأثير مادى فتصير ذات جدوى… إذ أن أى معرفة لا يسبقها أو يصحبها فعل مادى يُحدث فى الحياة تأثير فلا طائل منها… أو هكذا أظن

لأنه أحيانا يأخذنى الألم وأنا أرى بعضا منّا يشغلون أنفسهم ويجهدون عقولهم فى قضايا قد تدخل فى نطاق علم الكلام والترف العقلى، بالطبع لا أحد يملك الحق الحصرى فى أن يفترض ما يصح النقاش فيه، لكنى – وعلى الرغم من ذلك – مدفوعا بالمعاناة، أستطيع أن ألفت النظر إلى واقع عملى يحتاج منا التركيز المباشر عليه والتأثير قريب المفعول.

علينا أن نكتفى من هذه الاستعارات الأكاديمية التى لا يوجد إثرها ناتج واضح. ولهذا، يبدو واضحا أن الفلسفة التى نحتاج إليها –  فلسفة العقل النيّر كما أراها –  هى فلسفة الفعل أو فلسفة الدعوة إلى العمل وليست مجرد فلسفة للفكرة النظرية المجردة، أو فلسفة تكتفى باقتباس الأقوال الذكية والشعارات الجذابة والعنعنات العلمية.
وأتسائل، ما الفائدة التى عادت علينا ونحن نظل هكذا عاكفين على الدوران فى فلك الكلمات والعبارات اللغوية !؟
وأى فائدة ننتظر فى دنيا التفكير النظرى وأى نصر سيأتى من معركة التحليل اللفظى التى نعيش فيها !؟

بل أحب أن أقتبس لكم تقديما للدكتور عبد الوهاب المسيرى يتحدث فيه عن مثل هذه الاتجاهات النظرية العقيمة التى لا تسمن ولا تغنى من جوع إذ يقول:
“كثُرت الدراسات التى يكتبها الأكاديميون دونما سبب واضح ولا تتسم بأى شيئ سوى أنها (صالحة للنشر) لأن صاحبها قد اتبع مجموعة من الأعراف والآليات البحثية التى تم الاتفاق عليها بين مجموعة من المتخصصين والعلماء. والهف عادةً من مثل هذه الكتابات التى يُقال لها أبحاث (مع أنها لا تنبع من أية معاناة حقيقية ولا تشكل بحثا واقعيا عن أى شيئ) هو زيادة عدد الدراسات التى تضمها السيرة العلمية لصاحب الدراسة فتتم ترقيته. فالصالح للنشر هو عادةً ما يؤهل للترقية.
قد تقوم الدنيا ثم تقعد، وقد يُقتل الأبرياء وينتصر الظلم وينتشر الظلام، وصاحب البحث لايزال يكتب ويوثق وينشر، ثم يكتب ويوثق وينشر، وتدور المطابع وتسيل الأحبار وتخرج المزيد من الكتب، ويذهب صاحبنا إلى المؤتمرات التى تُقرأ فيها أبحاثُ لا تبحث عن شيئ ليزداد لمعانا وتألقا، إلى أن يُعيّن رئيس المجلس الأعلى لشئون اللاشيئ الأكاديمى.
وهكذا يتحرك فى عالم خالٍ من نبض الحياة، عالم خالٍ من أى هعموم إنسانية: رمادية كالحة هى هذا المعرفة الأكاديمية، وذهبية خضراء هى شجرة المعرفة الحية المورقة المتصلة بمعاناة الإنسان”. انتهى

أنا أفكر إذن أنا موجود … عبارة النشوة العقلية الديكارتية الرياضية الفارغة التى تجاوزها العالم منذ قرون، وصارت فلسفة الواقع بحق  ” أنا أفعل إذن أنا موجود “.
ولم يعد صوابا أن نردد: الإنسان كائن عاقل دون أن نتبعها بأنه كائن فاعل.
المشكلة ليست فى التفكير، إذ أن الفعل يلزمه تفكير يمتد عليه، ولكن المشكلة تكون حين يصير التفكير للتفكير… وهو – للآسف – واقعنا العربى الذى نتجرعه، كما يقول أديب الفلاسفة زكى نجيب محمود: نحن العرب نمارس فكرا على فكر والغربيون يمارسون فكرا على مشكلات.

ماضى ذو صراعِ فكرى أورثنا إياه الأجداد يجعل من بين أيدينا ومن خلفنا سدا فلا نبصر واقع بات وجودنا مهدد فيه !

نحن بحاجة إلى هذا النوع من الفكرة التى يحين أوانها وتنعكس على الأرض فتصير أقوى من كل الجيوش كما وصفها فكتور هوجو.

أريد أن أقول – ومن وحى ما سبق – أن الجهد المُثمر هو الجهد الذى يحلل المشكلات سعيا نحو الحل وليس محلل الأفكار سعيا نحو الانتصار اللغوى الذى يطرح مزيدا من الأفكار ومزيدا من المشكلات.. العقل النيّر هو العقل الذى يستثمر معرفته استثمارا مباشرا فى الواقع.

ولهذا، وكمصرى، فأنا أرغب فى الحديث عن ثلاث مشكلات مصرية يعانى منها المجتمع المصرى، وللحق هى مشكلات قد سبق وتحدث عنها  – منفصلة –  كثير من المصريين الأوفياء، لكنها تبقى – مجتمعة –  أخطر مشكلات رئيسية استشرت فى مفاصل المجتمع المصرى حتى صارت أمراض مصرية مزمنة… لكنى قبل الدخول فى ذلك أود الإشارة إلى التالى:

– حديثى عن مصر دافعه أننى مصرى قبل أى شيئ مما قد يعطينى الحق فى الخوض عن تجربة وخبرة، وإن كان ذلك لا يمنع أن ما تعانى منه مصر قد يشترك معها – فيه – كثير من البلدان العربية والشرقية استنادا إلى الخلفيات التاريخية المشتركة ووحدة المصير بين البعض منهم.
– ليس بالضرورة أن يكون ذكر المشكلة مقترنا بذكر الحل لأنه أحيانا يكون وصف المشكلة فيه حل لا يحتاج إلا للتفعيل.

المشكلة الأولى: عبقرية اللحظة الحاسمة
تعانى مصر وغيرها من البلدان العربية من فكرة متأصلة فى الوعى الجماعى المصرى تقوم على أن تغيير كل شيئ لابد وأن يصلح فى لحظة تاريخية فارقة وليس نتاج جهد وعمل وعرق متواصل ودءوب… وهى المشكلة التى وصفها فيدل كاسترو بأن الشعوب الشرقية عامةً تنتهج ” عبقرية اللحظة الحاسمة “. وربما كانت الخلفية الدينية لها تأثير وراء ذلك، فكما هو معلوم فإن الشرق اقترن به ظهور الأنبياء والمُخلّصين بشكل جعل فكرة الإنقاذ اللحظى الفاصل والعناية الإلهية الحاسمة تترسخ فى الوجدان الشعبى العربى.

المشكلة الثانية: النظرية والفعل
وهى المشكلة التى تحدثت عنها مقدمة هذا المقال، من انفصال دنيا الأقوال عن دنيا الأفعال فى الوعى المصرى، فمصرهى – الآن- بلد نظرى بامتياز وتأثيرها الفعلى محدود جدا، ولذلك لا أجد غرابة مثلا فى أن تكون أكثر المهن رواجا فى مصر هى مهن العقل النظرى الخالص التى ترتكز على الصحافة والإعلام والدعاية والفن وغيرها من مهن الكلام والتنظير اللغوى والتأليف، وتكون أكثر المهن بطالة هى مهن العقل العملى الخالص ونتاج اليد العملية كالمهندسين وخريجى المدارس الفنية وغيرهم.

المشكلة الثالثة: الشباب والشيوخ
الشيوخ هنا المقصود بها كبار السن وليس ما درج استعماله على أى ملتحى، ففى مصر تجد الدولة وقد سيطر عليها حفنة من الكهلة فى كل المجالات وتجد غيابا تاما فى الإدارة والتخطيط لأى وجود شاب أو دماء جديدة، بل إن المصريين قد انتهجوا سياسة التوريث المجتمعى للمناصب والوظائف والحجز الشخصى للقيادة. وربما كانت هذه المشكلة مدخلا للحديث عن مشكلة أخرى كبرى هى مشكلة الاستبداد السياسى.

هذه – فى رأيى – ليست كل المشكلات  المجتمعية بالطبع، لكنها ألح ثلاث مشكلات تعانى منها مصر، وتحتاج خطوات عملية جادة للعلاج، وبالطبع سيحتاج العلاج مرورا على التعليم والأخلاق المجتمعية والتراث الدينى.

وجهة نظر تحتمل الخطأ والصواب

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s