الأديان التوحيديّة: أفلسفة أم فيلودوكسي؟

الأديان التوحيديّة: أفلسفة أم فيلودوكسي؟
بقلم مصطفى عيتاني وبيير مدني

حقيقة اختياري أن أتخصّص في علوم الأحياء وليس الفلسفة يمكن تفسيرها بأنني كنت في مدرسة إسلاميّة وتدريس مادة الفلسفة فيها كان فقط في سبيل تحضيرنا لخوض امتحانات الباكالوريا الرسمية في لبنان.

كنت البارحة أساعد أحد تلامذتي (وهو يدرس في مدرسة علمانية) للتحضير لامتحان مادة الفلسفة حول سقراط. وخلال قراءتنا بعضاً من حوار سقراط مع يوثيفرو، خضنا في حوار سؤال وجواب على شاكلة حوارات سقراط وشرحت له معضلة الخير بجعلها معضلة البيتزا: هل تحب البيتزا اللذيذة ﻷنها لذيذة أم هل هي لذيذة لأنك تحبها؟ كان فضوله وعلامات الذهول البادية عليه يؤججهما إحساسه بعمق المادة التعليمية المطروحة وجانبها الفكري الممتع.

إن معظم شبابنا في المدارس الدينية محرومون من هذه اللذة وهذا الحق فقط لدواعي الخوف على الدين من الفلسفة. وأنا اقول لهم إن الدين لا يمكن ان يحيا إلا بالفلسفة ﻷنه بحد ذاته فلسفة (ولكن مقدسة عند الكثيرين) ولن يجد عمقه إلا بالتفكير الفلسفي.

لكن ثمّة من يدّعي بأنّ الأديان التوحيديّة على وجه الخصوص هي كلّها فيلودوكسي، ويعنون بهذا أنّ الأديان التوحيديّة -وبرأيها طبعاً- قد وصلت إلى الحقيقة المطلقة. الفيلودوكسي إذاً هي حبّ الشخص لما يملك من معرفة (صائبةً كانت أو خاطئة) والفيلودوكسيّ هو الشخص الذي يحبّ رأيه حدّ التشبّث به بشكلٍ عقائديٍّ ودوغمائيّ.

من هنا نستطيع أن نرى أنّ موقف هؤلاء – والقائل بأنّ جوهر الأديان التوحيديّة هو الفيلودوكسي – هو موقفٌ بلا ريبٍ صلب. قد ننسى أحياناً معنى كلمة “فيلوسوفي” والذي هو “حب المعرفة” أو “التوق إليها” و ليس “نشر الحقيقة التي وصلتنا منذ آلاف السنين”. الأديان الشرقآسيوية مثلاً تدعو معتنقيها إلى الخوض في رحلة بحثٍ نحو الحقيقة ولا تحضّ على هداية أحد.

ومبدأ “الهدى” هذا يلخِّص كلمة فيلودوكسي ولكنه يختلف عنه في القيم التي يجسّدها: في حين نرى أنّ الـ”هداية” علامة خير وبركة، فإنّنا نرى تشبّث فلانٍ برأيه على أنّه فقط وحده الصواب علامةٌ على ضيق أفقه وسقم أخلاقه.

لكن هل تقوم الأديان التوحيديّة فقط على الفيلودوكسي؟ القول بأنّ الأديان التوحيديّة هي فلسفة أيضاً له معطياتٍ تؤكّده. فهذه الأديان تقوم جزئياً على محاولتها تفسير العالم وأصله وتفسير عالمنا والبحث في أصله هو فرعٌ أساس من فروع الفلسفة ويسمّى الميتافيزقا – أمّا تشبّث الأديان التوحيديّة برأيها الفلسفيّ هو فيلودوكسي.

ممّا لا شكّ فيه إذاً أنّ الأديان التوحيديّة لا تقوم فقط على الفيلودوكسي ولكن هي أيضاً تقوم على الفلسفة ولكن نحن لا نستطيع أن ننكر أنّ الفيلودوكسي حالياً تهيمن على الأديان التوحيدية – لكنّ القول بأنّ هذه الأديان هي فقط فيلودوكسي يجب أن يُرفض ولعدّة أسباب: أوّلها أنّ ذلك يصوّرها على أنّها جامدة فيما هي في الواقع متحرّكة وفيها جوانب قابلة للنقاش الفلسفي وللتحديث. ثانياً، هناك أشخاص يتّبعون هذه الأديان ولكن عندهم تفسيرات فلسفية مغايرة عن الصنميّة السائدة في تفسير نصوصها المقدّسة. ثالثاً، القول بأنّها فقط فيلودوكسي ليس عملياً – وبالعكس هو قد يضع المتمسّك به على طريق صدامٍ محتّم مع أتباعها ولا يترك له سبلاً للعمل البنّاء معهم.

نحن نعيش اليوم في زمنٍ أحوج ما نكون فيه أن نبصر ضوء الفلسفة في الأديان التوحيديّة مهما كان خافتاً لأنّه هو أحد خيوطنا للنهوض بهذه المجتمعات من كبوتها الفكرية.

2 comments on “الأديان التوحيديّة: أفلسفة أم فيلودوكسي؟

  1. Sinan says:

    مقاله رائعه

  2. في الحقيقة انا لم اقرأ مقالتك كاملا ، لكنني تساءلت عن مصطلح تواتر ذكره فيها الا و هو الأديان التوحيدية ، فهل هناك أديان توحيدية غير الاسلام؟ و هل هي فعلا توحيدية كما أطلقت عليها؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s