العقائد الخاطئة بقلم ياسمين بوقرش

evil

 يوم 19 اكتوبر تشرين الأول 2016  AUCtimes magazine نشر هذا المقال على

لطالما كانت حصة “التربية الإسلامية” مخصصة ل “تربية” الأجيال تربية صالحة مبنية على قيم إنسانية وعادات نبيلة تجعل الإنسان خيرا على مجتمعه. و لطالما تفاخر أساتذة هذه المادة بتدريسهم الدين الإسلامي وشريعته، ولعل أكبر مصدر لفخرهم هذا هو توضيح مدى تسامح هذا الدين وتقبله للآخر برغم اختلاف دينه وجنسيته وعرقه. في هذه الحصص يتم تدريس الديانات السماوية الأخرى المسيحية واليهودية، التي ورغم أهميتها التاريخية ومدى انتشارها في العالم، يخصص لها درس واحد ووحيد في نهاية السنة الثالثة ثانوي في النظام التربوي الجزائري الذي نشأت عليه {بعد 12 سنة دراسة لهذه المادة انطلاقا من السنة أولى ابتدائي}. هذا مثال واحد فقط عن ما عشته خلال فترة دراستي الثانوية , فتدريس “الدين” و تخصيص حصص له ضمن البرنامج الدراسي ظاهرة منتشرة في منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا.

” هذه العقائد الخاطئة” أو “الديانات الضالة” هي عبارات يرددها الأستاذة خلال هذا الدرس.  الذي يحصل عادة، هو ان أكثر من ثلثي الدرس يخصص لذكر وتوضيح أخطاء هذه الديانات وكيف تم تحريفها لأغراض مختلفة، أما فهم العقيدة ذاتها وشرح تعليم هذه الديانات وقيمها وتاريخها لا يخصص له سوى شرح ضئيل وسطحي، نابع عادة عن فهم المدرس لهذه الديانة. المثير للانتباه أو ربما للسخرية، و للقارئ حق القرار، هو أنه عند تدريس هذه العقائد لا تُستحضر أية نصوص أو أدلة من الكتب المقدسة أو الانجيل أو التوراة بدل ذلك، يستند الأستاذ على كتب دينه  لإثبات تحريف و خطأ و عيوب الديانات الأخرى  مما يعني غياب أي منهج نقدي منطقي، بحيث يكون كل النقد قائماً على أفكار ذاتية وإيمان شخصي.  و هذا يحصل طبعا مع مدرسي الديانات الأخرى و لا ينحصر في هذا المثال فقط.

ربما يرى البعض أن الأمر منطقي بحكم أن المدرس مسلم أو يهودي أو مسيحي يدرس هذه الديانات من وجهة نظره، خاصة أن كل دين له موقف واضح تجاه الديانات الأخرى.  المشكلة ليست مشكلة الحكم بصحة أو خطأ هذه الديانات بل بإعطاء لكل ديانة حقها مثلما يراه أصحابها. أيعقل تدريس الشيء، بل والأكثر من ذلك الحكم عليه دون معرفة ودراسة مصادره؟ هل بهذا نقول أننا نعرف الديانات السماوية ومتأكدين بخطأها رغم اننا لم نفتح ولو لمرة الانجيل أو التوراة أو القران؟ أليس من الأرجح بل من المعقول أن ندرس الدين من وجهة نظر أصحابه بقدر ما يمكن ثم نقارنه بمعتقداتنا ونحكم عليه؟  

أتعجب من بعض المدرسين الذين يتهمون الحضارة الغربية والمعتقدات الأخرى بالكذب على دينهم والتلاعب بمعانيه ولكنهم ينسون أو يتناسون كيف هم بدورهم يطمسون معتقدات ومبادئ وفلسفات الديانات الأخرى ويعلمون أجيالاً كاملة، حفظاً وليس فهماً، بخطئها وعدم صحتها, فكل ما يعرفه غالبية الشباب في بلادي الجزائر عامة وتلاميذ المدارس خاصة هو أن المسيحيين يؤمنون بأن لله ولدا، وأن اليهود يِؤمنون بإله غير عادل لا يحب سواهم. ولو سألنا أحدهم ما هي الفضائل السبعة في الدين المسيحي أو ما هي الوصايا العشر في الديانة اليهودية لعجزوا عن الإجابة أو لربما جهلوا أصلا بوجود هذه المبادئ.

ناهيك عن أن العديد من البلدان العربية التي تحتوي على عدد كبير من المسيحيين واليهود والمسلمين معا لا تدرس هذا الدرس, أقصد درس الديانات السماوية  . ففي مصر، في حصة الدين، يقسم التلاميذ حسب ديانتهم ثم يتلقون دراسة خاصة بدينهم فقط، وأما في لبنان فلا وجود لحصة دين أساساً، وهذا لا يمنع تدريس هذا الدرس في حصة الفلسفة مثلا لضرورته وأهميته في مثل هذه المجتمعات.

المعضلة في هذا النوع من التدريس هو أنه أنتج عقولا عاجزة عن التحليل، غير متقبلة لعقيدة الآخر ولا لهويته الدينية والروحية، لا تتوقف عن التفاخر، وهماً، بانتمائها لديانة معينة , بالرغم ان معظمها ورث هذا الدين عن آبائه ولم يعاني مشقة التعب والبحث لاعتناقه. عقول عاجزة عن فهم أو حتى محاولة فهم الآخر مما أدى إلى انتشار العديد من المشاحنات والخلافات الدينية، وماذا ننتظر غير العداء من تلاميذ وتلميذات، ربما المرة الوحيدة التي تطرقوا فيها للمسيحية أو اليهودية كانت خلال درس في كتاب التربية الإسلامية للسنة الثالثة ثانوي، تحت عناوين ثانوية مثل: ” أهم عقائد النصرانيين وانحرافاتهم “أو ” عقيدتهم {يقصد اليهود} وانحرافاتهم” {صفحة 55 58} غير التعالي على أقرانهم من هذه الديانات؟   هذا التلقين لا ينجم عنه إلا مجتمع مقتنع بصحة عقيدته اقتناعاً مطلقا، مجتمع منغلق على كل من اختلف معه عقائدياً، متطرف أحياناً وجاهل غالباً.

الأجدر بهذه الحصص أن يتم فيها تدريس الديانات الأخرى، وليس السماوية فقط، مثلما يراها أصحابها وبمراجعهم وحججهم ثم مقارنتها مع ديانة التلاميذ و الطلبة وترك المجال مفتوحا أمامهم للتنقيب والتحليل والمقارنة ثم اتخاذ القرار الصائب وفقاً لبحثهم. بهذا المبدأ، وهو الأكثر عدلاً ومنطقية، ننتج عقولاً مفكرة، واعية ومتفهمة. فدراسة الأديان دراسة مقارنة تتيح للطلبة معرفة القيم المشتركة بينها والعبر من عقائدها وتاريخها وبالتالي يكونون أكثر قابلية للعيش في مجتمع متنوع الأديان ويسهل عليهم التأقلم مع كل ما هو مختلف. فبدل التركيز على الاختلافات، الأحرى بهم كقادة للمستقبل، تقوية هذه الروابط المشتركة وخلق بيئة متسامحة وفرص أكثر للتعايش مع هذه الاختلافات، وهذا ما تحث عليه الأديان السماوية كلها.

يقول ماكس مولر، وهو عالم درس الأديان دراسة مقارنة، “هو الذي يعرف دين واحد، لا يعرف أي دين”, أتمنى أن يعي أساتذتنا هذا القول، وقبل ذلك، أن يتعرفوا على هذه الطريقة لدراسة الأديان يتبنونها في برامجهم وأن يدرسوا بدورهم التلاميذ بطريقة نزيهة مبنية على دراسة نظرية وعملية للديانات وليس وفقا للمعلومات المتناقلة عن أئمة المساجد والموروث الديني الشعبي.

ياسمين بوقرش

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s