العقائد الخاطئة بقلم ياسمين بوقرش

evil

 يوم 19 اكتوبر تشرين الأول 2016  AUCtimes magazine نشر هذا المقال على

لطالما كانت حصة “التربية الإسلامية” مخصصة ل “تربية” الأجيال تربية صالحة مبنية على قيم إنسانية وعادات نبيلة تجعل الإنسان خيرا على مجتمعه. و لطالما تفاخر أساتذة هذه المادة بتدريسهم الدين الإسلامي وشريعته، ولعل أكبر مصدر لفخرهم هذا هو توضيح مدى تسامح هذا الدين وتقبله للآخر برغم اختلاف دينه وجنسيته وعرقه. في هذه الحصص يتم تدريس الديانات السماوية الأخرى المسيحية واليهودية، التي ورغم أهميتها التاريخية ومدى انتشارها في العالم، يخصص لها درس واحد ووحيد في نهاية السنة الثالثة ثانوي في النظام التربوي الجزائري الذي نشأت عليه {بعد 12 سنة دراسة لهذه المادة انطلاقا من السنة أولى ابتدائي}. هذا مثال واحد فقط عن ما عشته خلال فترة دراستي الثانوية , فتدريس “الدين” و تخصيص حصص له ضمن البرنامج الدراسي ظاهرة منتشرة في منطقة الشرق الأوسط و شمال أفريقيا.

” هذه العقائد الخاطئة” أو “الديانات الضالة” هي عبارات يرددها الأستاذة خلال هذا الدرس.  الذي يحصل عادة، هو ان أكثر من ثلثي الدرس يخصص لذكر وتوضيح أخطاء هذه الديانات وكيف تم تحريفها لأغراض مختلفة، أما فهم العقيدة ذاتها وشرح تعليم هذه الديانات وقيمها وتاريخها لا يخصص له سوى شرح ضئيل وسطحي، نابع عادة عن فهم المدرس لهذه الديانة. المثير للانتباه أو ربما للسخرية، و للقارئ حق القرار، هو أنه عند تدريس هذه العقائد لا تُستحضر أية نصوص أو أدلة من الكتب المقدسة أو الانجيل أو التوراة بدل ذلك، يستند الأستاذ على كتب دينه  لإثبات تحريف و خطأ و عيوب الديانات الأخرى  مما يعني غياب أي منهج نقدي منطقي، بحيث يكون كل النقد قائماً على أفكار ذاتية وإيمان شخصي.  و هذا يحصل طبعا مع مدرسي الديانات الأخرى و لا ينحصر في هذا المثال فقط.

ربما يرى البعض أن الأمر منطقي بحكم أن المدرس مسلم أو يهودي أو مسيحي يدرس هذه الديانات من وجهة نظره، خاصة أن كل دين له موقف واضح تجاه الديانات الأخرى.  المشكلة ليست مشكلة الحكم بصحة أو خطأ هذه الديانات بل بإعطاء لكل ديانة حقها مثلما يراه أصحابها. أيعقل تدريس الشيء، بل والأكثر من ذلك الحكم عليه دون معرفة ودراسة مصادره؟ هل بهذا نقول أننا نعرف الديانات السماوية ومتأكدين بخطأها رغم اننا لم نفتح ولو لمرة الانجيل أو التوراة أو القران؟ أليس من الأرجح بل من المعقول أن ندرس الدين من وجهة نظر أصحابه بقدر ما يمكن ثم نقارنه بمعتقداتنا ونحكم عليه؟  

أتعجب من بعض المدرسين الذين يتهمون الحضارة الغربية والمعتقدات الأخرى بالكذب على دينهم والتلاعب بمعانيه ولكنهم ينسون أو يتناسون كيف هم بدورهم يطمسون معتقدات ومبادئ وفلسفات الديانات الأخرى ويعلمون أجيالاً كاملة، حفظاً وليس فهماً، بخطئها وعدم صحتها, فكل ما يعرفه غالبية الشباب في بلادي الجزائر عامة وتلاميذ المدارس خاصة هو أن المسيحيين يؤمنون بأن لله ولدا، وأن اليهود يِؤمنون بإله غير عادل لا يحب سواهم. ولو سألنا أحدهم ما هي الفضائل السبعة في الدين المسيحي أو ما هي الوصايا العشر في الديانة اليهودية لعجزوا عن الإجابة أو لربما جهلوا أصلا بوجود هذه المبادئ.

ناهيك عن أن العديد من البلدان العربية التي تحتوي على عدد كبير من المسيحيين واليهود والمسلمين معا لا تدرس هذا الدرس, أقصد درس الديانات السماوية  . ففي مصر، في حصة الدين، يقسم التلاميذ حسب ديانتهم ثم يتلقون دراسة خاصة بدينهم فقط، وأما في لبنان فلا وجود لحصة دين أساساً، وهذا لا يمنع تدريس هذا الدرس في حصة الفلسفة مثلا لضرورته وأهميته في مثل هذه المجتمعات.

المعضلة في هذا النوع من التدريس هو أنه أنتج عقولا عاجزة عن التحليل، غير متقبلة لعقيدة الآخر ولا لهويته الدينية والروحية، لا تتوقف عن التفاخر، وهماً، بانتمائها لديانة معينة , بالرغم ان معظمها ورث هذا الدين عن آبائه ولم يعاني مشقة التعب والبحث لاعتناقه. عقول عاجزة عن فهم أو حتى محاولة فهم الآخر مما أدى إلى انتشار العديد من المشاحنات والخلافات الدينية، وماذا ننتظر غير العداء من تلاميذ وتلميذات، ربما المرة الوحيدة التي تطرقوا فيها للمسيحية أو اليهودية كانت خلال درس في كتاب التربية الإسلامية للسنة الثالثة ثانوي، تحت عناوين ثانوية مثل: ” أهم عقائد النصرانيين وانحرافاتهم “أو ” عقيدتهم {يقصد اليهود} وانحرافاتهم” {صفحة 55 58} غير التعالي على أقرانهم من هذه الديانات؟   هذا التلقين لا ينجم عنه إلا مجتمع مقتنع بصحة عقيدته اقتناعاً مطلقا، مجتمع منغلق على كل من اختلف معه عقائدياً، متطرف أحياناً وجاهل غالباً.

الأجدر بهذه الحصص أن يتم فيها تدريس الديانات الأخرى، وليس السماوية فقط، مثلما يراها أصحابها وبمراجعهم وحججهم ثم مقارنتها مع ديانة التلاميذ و الطلبة وترك المجال مفتوحا أمامهم للتنقيب والتحليل والمقارنة ثم اتخاذ القرار الصائب وفقاً لبحثهم. بهذا المبدأ، وهو الأكثر عدلاً ومنطقية، ننتج عقولاً مفكرة، واعية ومتفهمة. فدراسة الأديان دراسة مقارنة تتيح للطلبة معرفة القيم المشتركة بينها والعبر من عقائدها وتاريخها وبالتالي يكونون أكثر قابلية للعيش في مجتمع متنوع الأديان ويسهل عليهم التأقلم مع كل ما هو مختلف. فبدل التركيز على الاختلافات، الأحرى بهم كقادة للمستقبل، تقوية هذه الروابط المشتركة وخلق بيئة متسامحة وفرص أكثر للتعايش مع هذه الاختلافات، وهذا ما تحث عليه الأديان السماوية كلها.

يقول ماكس مولر، وهو عالم درس الأديان دراسة مقارنة، “هو الذي يعرف دين واحد، لا يعرف أي دين”, أتمنى أن يعي أساتذتنا هذا القول، وقبل ذلك، أن يتعرفوا على هذه الطريقة لدراسة الأديان يتبنونها في برامجهم وأن يدرسوا بدورهم التلاميذ بطريقة نزيهة مبنية على دراسة نظرية وعملية للديانات وليس وفقا للمعلومات المتناقلة عن أئمة المساجد والموروث الديني الشعبي.

ياسمين بوقرش

Advertisements

رسالة مثلي إلى وطن آخر

National  Spanish feminist expelled from Morocco A Moroccan flag and a rainbow flag for gay rights in a protest in the Netherlands. Photo: Alex Proimos / Flickr Creative Commons.

 علم المغرب والعلم الممثّل لحقوق المثليّين في مظاهرة في هولندا Photo: Alex Proimos / Flickr Creative Commons.

الرسالة التالية هي بقلم صديق لم يرد أن أكشف عن إسمه خوفاً على حياته ومستقبله: صديق مثلي جنسياً  ومن أبناء المغرب.

أعيش في بلد أحبه مع أنني اضطر نفسي كل صباح إلى أترك مثليتي في البيت قبل الذهاب إلى العمل، أخبئها في خزانة ملابسي، خلف باب الحمام وفي أدراج مطبخي، أسخر من نفسي حين يطري أصدقائي وزملائي في العمل وأفراد عائلتي على أخلاقي واستقامتي وتوازني، أمضي يومي غائبا عن نفسي حذرا من زلات لساني أو طرفات عيني، أشفق على نفسي حين أضطر لتقبل خيانة زميلي في العمل لزوجته كل يوم ولتقبل نفاق رئيسي في العمل وتقبل سخرية صديقتي من زوجها وإدمان صديقي دون أن يستطيع أحد تقبل مثليتي حتى نوافذ بيتي أغلقها كي لا يسمع جيراني حديثي مع نفسي تناسيت منذ زمن طويل أنني أمر بجانب الحياة وأقنعت نفسي أنني وجدت في الزمن الخطأ والمكان الخطأ بل وربما أيضا في الجسد الخطأ لكنني صرت اليوم خائفا ولم أكن يوما كذلك، حين رأيت ذلك المثلي يضرب على أرصفة مدينة فاس تجمهر عليه العشرات ممن يظنون أنهم من الفئة الناجية يتسابقون على ضربه مكبرين مهللين، شعرت بكل تلك الضربات تخترق جسدي وأحسست بدمائه تخرج من عروقي، تخيلت نفسي مكانه وأنا أسقط وأقوم محاولا النجاة من أيدي أشخاص لا أعرفهم ولم أفكر يوما أن أؤذيهم أو حتى أحكم على تصرفاتهم، اهتز قلبي وأنا أراه يزحف نحو الشرطي يرتجي حمايته، اخترقت مسامعي شتائمهم ووعيدهم فأحسست لأول مرة أنني أعيش في بلد يكره ساكنيه حقيقتي مع أنهم يظهرون حبي، انتابني رعب عظيم حين انتبهت إلى أنني مجرد فار من عدالتهم متنكر في جلدتهم، لم أستطع أن أمنع دموعي وأنا أرى الشرطة تجر جسده المدمى إلى السيارة بعد أن قضوا منهم وطرهم تخيلت أصدقائي وجيراني وزملائي في العمل يفعلون بي ما فعل به، تخيلت نظرات اعجابهم تتحول إلى نظرات اشمئزاز، تخيلتهم يفرون مني كأنني لحم فاسد، فتحول حبي لهم إلى خوف ورهبة، وطمأنينتي بينهم إلى وجل وترقب.

لم أطمع يوما في أن أحمل راية قوس قزح أو أن أجد شريك حياة أو حتى أدافع عن حقوقي أو حقوق غيري، كل ما طمعت فيه هو أن أثق في أن من حولي لن ينقلبوا يوما ما إلى ذئاب تنهشني إذا أخطأت ونسيت يوما مثليتي خارج المطبخ أو غرفة النوم أو قرب النافذة. فقدت إحساسي بالمواطنة منذ رأيت ذلك الفيديو، أخاف من وطني مع أنني أهبه كل يوم ساعات عمري بتفان لا أخالف قوانينه ولم أؤذي يوما مواطنيه، فهل لي بوطن آخر؟

بعض ضحايا هجوم اليوم على مقر صحيفة شارلي إيبدو وضحايا رسوماتها

بعض ضحايا هجوم اليوم على مقر صحيفة شارلي إيبدو… هؤلاء دفعوا حياتهم ثمن حقهم في حريّة التعبير. وتجدون في الأسفل صورة لضحايا رسومات الصحيفة. 

في اليمين، جين "كابو المعروف بـ "كابو" كان الرسام الكاريكاتوري الأوّل في الصحيفة وكان يبلغ 76 عاماً من العمر وإلى اليسار ستيفان شاربويي المعروف بـ "شارب" كان محرّر الصحيفة وكان يبلغ من العمر 47 عاماً.

في اليمين، جين كابو المعروف بـ “كابو” وكان الرسام الكاريكاتوري الأوّل في الصحيفة وبلغ 76 عاماً من العمر وإلى اليسار ستيفان شاربويي المعروف بـ “شارب” وكان محرّر الصحيفة وبلغ من العمر 47 عاماً.

Georges Wolinksi et Verlhac “Tignous” Bernard

رسامَي الكاريكاتور فيلهاك برنارد المعروف بـ “تيغنو”، 58عاماً، و جورج وولنسكي، 80 عاماً.

صورة تظهر ضحايا رسومات الكاريكاتير لصحيفة "شارلي أبدو"

صورة تظهر ضحايا رسومات الكاريكاتير لصحيفة “شارلي إيدو”

صفحة “أصحاب العقول النيرة”

لماذا انتحرت ليلا ألكورن: نعم لحقوق المتحوّلين جنسياً

1966904_1523836204568103_2375476226693513960_n
(تصميم Shorouq J. Zahra)
كانت ليلا ألكورن (Leelah Alcorn) فتاة متحوّلة جنسياً (أي ولدت كذكر ولكنّها كانت تجد نفسها دائماً كأنثى) من الولايات المتّحدة وقد أقدمت على الإنتحار في 28 من الشهر الماضي وقد نالت الكثير من الإهتمام بعدما ترافق إقدامها على قتل نفسها مع إصدارها لبيان حول المعايير المجتمعيّة السيّئة تجاه المتحوّلين جنسياً. قامة ليلا بنشر رسالة إنتحار مجدولة على صفحتها على موقع  Tumblr والتي ظهرت بعد ساعات من انتحارها وفيها أعلنت أنها تريد من انتحارها أن يترك أثراً ويخلق نقاشاً حول التمييز ضدّ المتحوّلين جنسياً وما ينتج عن ذلك من سوء معاملة لهم.
بدأت ليلا بالتعرّف على نفسها بأنّها فتاة منذ كان عمرها 14 عاماً وكانت تشعر بأنّها “بنتٌ حبيسةٌ في جسد صبيّ” منذ كان عمرها 4 سنوات. إنصرفت ليلا إلى وسائل التواصل الإجتماعي لتبني علاقات صداقةٍ مع يتقبّلها من الناس وهناك كانت تعبّر بحريّة عن ذاتها. حاولت ليلا إقناع والديها بأن تجري عمليّة تحويل جنسيّة ولكن عوض ذلك تلقّت علاجاً من مشورة “متحيّزة” من معالجين مسيحيين.
كان إسم ليلا عند الولادة جوشوا ريان ألكورن وكانت واحدة بين أربعة أولاد لـ دوغ وكارلا ألكورن. تربّت ليلا في بيئة مسيحيّة إنجيليّة وفي رسالة إنتحارها أشارت لنفسها بإسم ليلا ألكورن.
تقول لنا الرسالة أيضاً بأنّها كشفت للناس بأنّها مثليّة جنسياً عند عمر 16 سنةوكانت تأمل من ذلك أن يشكّل خطوة في اتّجاه أن تخرج إلى العلن على أنّها متحوّلأة جنسياً في وقتٍ لاحق. عوض أن يتمّ تقبّلها، قام والداها بسحبها من المدرسة ومنعها من التواصل مع العالم الخارجيّ لمدّة خمسة أشهر. هذا أسهم كثيراً في إقدامها على الإنتحار.
  • نصّ رسالة إنتحار ليلا ألكورن:
  • إذا كنتَ تقرأ هذه السطور، فهذا يعني أنني قد انتحرت، وفشلتُ في إيقاف هذا المنشور من النشر التلقائي على صفحة التواصل الخاصّة بي. أرجو أن لا تحزنَ، فما حصلَ هو للأفضل. الحياة التي كنت لأعيشها لا قيمة لها … لأنني متحوّلة جنسيًا. أتمنى لو كنتُ أستطيع أن أخوضَ في المزيد من التفاصيل لتفسيرِ هذه المشاعر، إلا أنني أظنُّ أنَّ هذه الرسالةَ ستكون طويلةً بما يكفي. ببساطة، أنا أشعر وكأنني فتاةٌ مسجونةٌ في جسد فتى، هذا كان شعوري منذ أنْ كان عمري 4 سنوات. لم أكن أعرف بوجود كلمة تصف هذا الشعور، أو أنّ بإمكانٍ صبي أن يتحوّل إلى فتاة؛ ولذلك لم أخبر أيّ أحد، وواصلت القيام بالممارسات “الصبيانية” التقليدية حتى أتمكّن من الاندماج في مجتمعي. عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، تعلّمت ماذا يعني أن تكون متحولاً جنسياً؛ وبكيت فرحاً. فبعد عشر سنين من الحيرة تمكنت أخيرًا من فهم من أكون. أخبرت أمي بذلك مباشرة، ولكنّها تفاعلت بسلبيّة شديدة مع الأمر، و أخبرتني أنّ ما أمرّ به مجرد مرحلة عابرة، وأنني لن أصبح فتاةً أبداً، فاللهُ لا يرتكب الأخطاء، وإنني أنا المخطئة. أيها الآباء، إذا كنتم تقرؤون ما كتبتُ فإنّي أرجوكم أن لا تقولوا هذا لأبنائكم حتى لو كنتم مسيحين، أو كنتم ضدّ المتحوّلين جنسيًا، لا تقولوا هذا لأيّ أحد، خصوصًا أولادكم. هذا لن يفعل شيئاً سوى أن يجعلهم يكرهون أنفسهم. وهو ما حصل معي تماما. أمي بدأت تأخذني للمعالجين النفسيين، ولكنّها كانت تأخذني للمعالجين النفسيين المسيحيين فقط (الذين كانوا كلّهم متحيزين) ؛ ومن ثَمَّ فإنني لم أحصل على العلاج اللازم للشفاءِ من الاكتئاب. بل كان كلّ ما حصلت عليه مزيدًا من المسيحيين الذين أخبروني أنني أنانية ومخطئة، وأنني يجب أن أتطلعَ الى الله ليساعدني. عندما كنت في السادسة عشرة من العمر، أدركت أن والديّ لن يقتنعا ابداً، وأنني يجب أن أنتظر حتى سن الثامنة عشرة لأبدأ أيّ علاج لبدء التحوّل الجنسي؛ وهو ما حطم قلبي. كلما طال الانتظار، كلما كان التحوّل أكثر صعوبةً. شعرت بضياع الأمل، وبأنني سأظلُّ رجلاً في ملابس نسائية مدى الحياة. في عيد ميلادي السادس عشر، عندما لم أحصل على موافقة والديَّ لأبدأ عملية التحوّل الجنسي، بكيت في ليلة عيد ميلادي حتى نمت. بدأت بعدها بأخذ موقف غير مبالٍ تجاه والديَّ، وأعلنت عن نفسي مثليًا جنسيًا في مدرستي، معتقدة بأنني بذلك أُسهّلُ على من حولي تقبل فكرة تحولي الجنسي إذا قمت بذلك بخطوات صغيرة، نحو الإعلان بأنني متحولة جنسيًا، حيث ستكون صدمتهم أقل حدة. على الرغم من أن ردود فعل أصدقائي كانت إيجابية، إلا أن والديّ كانا ساخطين. كانا يشعرانِ بأنني أحطّم صورتهما، وأنني كنت لا أمثّل لهما إلا مصدرًا للخزي والعار. كانا يريداني أن أكون ولدهم المسيحي ذا الميول المغايرة، ولكنَّ هذا لم يكن ما أريد. لهذا، أخرجوني من المدرسة الحكومية، وصادروا حاسوبي وهاتفي المحمول، ومنعوني من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي مهما كان نوعها، ما يعني انعزالي الكامل عن أصدقائي. لربما يكون هذا أكثر أوقات حياتي كآبةً، وأنا مستغربة من عدم قيامي بقتل نفسي. لقد كنت وحيدة بشكل كامل لمدة 5 أشهر. لا أصدقاء، ولا دعم، ولا حب. بل خيبة أمل والديَّ بي ووحشة الوحدة فقط.
    في نهاية العام المدرسي، تصالحتُ مع والديَّ وقاما بإرجاع الهاتف المحمول إليّ، وسمحا لي بالعودة إلى شبكات التواصل الاجتماعي. لقد كنت مبتهجة. لقد استعدت أصدقائي أخيراً. وقد كان أصدقائي مبتهجين أيضاً لرؤيتي والتحدث معي، ولكن فقط في البداية. في نهاية الأمر، أدركت أنهم لا يهتمون لي في الحقيقة، وشعرت بأنني وحيدة أكثر مما سبق. تبيّن لي أن الأصدقاءَ الوحيدين الذين ظننت أنني أمتلكهم أحبوني فقط لأنهم كانوا يرونني خمسة أيام كل أسبوع.
    بعد صيف لم يكن لي فيه أي من الأصدقاء، بالإضافة إلى عبء التفكير في الدراسة الجامعية المستقبليّة، والتفكير في كيفية جمع مصاريف الانتفال من منزل والديّ، والحفاظ على درجاتي عالية، والذهاب للكنيسة كل أسبوع لأشعرَ بأنني حثالة- حيث أن كل الأشخاص المتواجدين هناك هم ضد كل شيء كنت أعيش من أجله- بعد كل هذا قررت أنني اكتفيت. أنا لن أستطيع أن أعيش التحوّل الجنسي بنجاح، حتى وإن تركت منزل والديّ. أنا لن أكون سعيدة أبدا ًبمظهري ولا بصوتي. أنا لن أحظى يوماً بالأصدقاء وأشعر بالرضى عن صداقاتي. أنا لن أحظى يوماً بقدر كافٍ من الحب. أنا لن أجد يوماً الرجل الذي سيحبني. أنا لن أكون يوماً سعيدة. إما أن اعيش بقية حياتي كرجل وحيد يتمنى أنه كان امرأةً، أو سأعيش كامرأةٍ أكثر وحدةً وكرهًا لنفسها. ليس هناك ربح في هذا، ليس هناك مهرب من هذا. أنا تعيسةٌ بما يكفي،و لا أحتاج لحياتي أن تصبح أسوأ من هذا. الناس يقولون ” سيتحسن الحال” ولكنّ هذا ليس صحيحاً في حالتي. سيسوء الحال، كلّ يوم تسوء حالتي.
    هذه خلاصة الموضوع، هذا سبب رغبتي في قتل نفسي. أنا آسفة إذا كان هذا السبب ليس كافيًا لكم، لكنّه كافٍ بالنسبة لي. أما فيما يخصُّ وصيّتي، فانا أريد أن يتم بيع كلّ ممتلكاتي، ويُضاف عليه ما أملك من نقودٍ في البنك، ويُعطى لأي منظمة من منظمات دعم حقوق المتحوّلين جنسياً، لا يهمني أي منظمة تكون. السبيل الوحيد لأنعم بالراحة في مثواي، هو أن يأتي يومٌ لا يتلقّى فيه المتحولون جنسياً المعاملة السيئة التي تلقيتها. بل أن تتم معاملتهم كبشر، لهم اعتبارٌ لمشاعرهم، ولهم حقوق إنسانية. التنوّع الجنسي يجب تدريسه في المدارس، كلما بدأنا بذلك مبكرأ كلما كان أفضل. موتي يجب أن يعني شيئًا. موتي يجب أن يتم حسابه من ضمن العديد من حالات الانتحار التي قام بها المتحولون جنسيا ًهذه السنة. أنا أريد أن ينظر أحدهم لهذا الرقم ويقول “هذا النظام معطوب” ويصلحه،أصلحوا المجتمع، أرجوكم. وداعاً.”
    إنتهى نصّ الرسالة.
    • يعتقد بأنّ ليلا قطعت مسافة ثلاثة إلى أربعة أميال من بيت والديها في ولاية أوهايو الأمريكية. على أحد الطرق السريعة هناك قامت ليلا على الأرجح بالإندفاع نحو إحدى المقطورات والتي اصطدمت بها وأردتها قتيلة قليلاً قبل الساعة 2:30 فجر السبت في 27 ديسمبر.
    ترجمة الرسالة – Ahmed Akeel
    ترجمة المقدّمة – Moustapha Itani
    تدقيق – Shorouq Zahra

الروائيّة النيجيريّة ” شيماماندا نغوزي أديشي “: نحن نعلّم الفتيات الخجل.. أغلقي ساقيك، غطّي نفسك

Chimamanda Adichie

Find English orginal underneath Arabic translation

نحن نعلّم الفتيات الخجل: أغلقي ساقيك، غطّي نفسك

” نحنُ نعلّم الإناثَ أنَّ ما يجب عليهنّ فعله (في العلاقة مع الذكر) هو تقديم التنازلات، ونعلّمهن أن تنظرَ كلُّ واحدة منهنّ إلى الأخرى على اعتبار أنّها منافسة لها، ليس على مستوى الإنجاز أو الحصول على وظيفة مثلاً، وهي أشياء جيّدة فيما أظنّ، وإنما نعلمهنّ التنافس فيما بنيهنّ في الكيفية التي يجتذبن فيها الرجال ويلفتن أنظارهم.

نحن نعلّم الفتيات أنّه لا يمكنهنّ أن يكنَّ ” كائناتٍ جنسيّة طبيعية ” بالطريقة نفسها التي يتميّز بها الأولاد؛ فلو كان عندنا أولادٌ مثلا، فنحن لا نمانع إن عرفنا أنّ لهم صديقات حميمات، لكن، أن يكون لبناتنا أصدقاءٌ حميمون..!! لا قدّر الله..

لكن، بالتأكيد حينما يأتي الوقت المناسب فإنّنا نتوقّع أن تقترن بناتنا بالرجل المثالي، نحن نقوم بدور رقابي على الفتاة، ونمدحها على عذريتها، لكننا لا نمدح الشاب على عذريّته، وهو تناقضٌ يجعلني في حيرةٍ من أمري، إذ كيف يمكن لهذا الأمر أن يحدث؛ ففقدان العذريّة عند الأنثى عمليّة تنطوي على……. 

نحن نعلّم الفتيات الخجل: أغلقي ساقيك، غطّي نفسك، فنثير فيها الإحساس بالعار، وكأنّها صارت في موضع اتّهامٍ بمجرّد أنّها وُلدت ” أنثى”. 

وعلى هذا النحو، تنمو الفتيات ليصرن نساءً مكبوتات، غير قادرات على التصريح برغباتهن، يكمّمن أفواههنّ بأيديهنّ، دون أن يمتلكن القدرة على التصريح بما يفكّرن به على نحو حقيقي، وتكبر الفتيات – وهذا أسوأ ما في الأمر – ليكنّ نساءً يجمّلن المظاهر الزائفة. “

Continue reading

ماذا يعني فيلسوف العلم كارل بوبر حين يتكلم عن العقلانية؟

Karl Popper on Rationalism

Find below the Arabic text the English Original

ماذا يعني فيلسوف العلم كارل بوبر حين يتكلم عن العقلانية؟

“حينما أتحدّث عن العقل أو العقلانية، فإنّ ما أعنيه هو القناعة أنّ بإمكاننا التعلّم من خلال نقد أخطائنا وزلّاتنا، وبالأخصّ من خلال نقد الآخرين لنا، وصولاً إلى امتلاك مهارات النقد الذاتيّ لأنفسنا؛ فالعقلانيّ – ببساطة – هو شخصٌ يرى أنّ أهميّة تعلّمه للأشياء يفوق كثيراً أهمية أن يتمّ إثبات أنّه على حقّ، هو شخصٌ يمتلك الاستعداد الكافي ليتعلّم من الآخرين وليس فقط ليستولي على آرائهم، وذلك عبر السماح لهم بنقد أفكاره، وعبر نقده هو لأفكار الآخرين. التركيز هنا هو على النقد من حيث هو ممارسة فكرية، أو بعبارة أكثر دقّة على النقاش النقدي. العقلانيّ الأصيل لا يعتقدُ أنّ الحقيقة حكرٌ عليه هو، ولا هي حكرٌ على سواه. هو لا يعتقد بأنّ النقد المجرّد يتيح لنا التوصّل إلى أفكارٍ جديدة، لكنّه يعتقد بأنّ النقاش النقدي يساعدنا ، فيما يتعلّق بالأفكار، على تمييز الغثّ من السمين. إنّه يعي بشكل جيّد أنّ قبول أو رفض فكرة ما لا يمكن أن يكون مسألة عقلانيةً بحتة، ولكنه يعتقد أنّ النقاش النقديّ هو ما يمكنه أن يمنحنا النضج الكافي لرؤية الفكرة على نحو أكثر عمقاً، ومن جوانب جديدة، وهو ما يتيح المجال لنا لنصدر حكماً صحيحاً فيما يخصّها.”

إقتراح Ahmad Hachem
ترجمة Moustapha Itani
تدقيق SirAlan Charles و-Muath Telfah 

Continue reading

ميخائيل نعيمة: إنّها الحرب…

ميخائيل نعيمة: إنّها الحرب...

ميخائيل نعيمة: إنّها الحرب…

إنّها الحرب…

وأسألُ الممرضةَ عن الجريحِ؛ فأعرف منها أنه جنديّ ألماني، وأنّه مصاب بكسر في جمجمته، وجروحٍ في ذراعه، وأنّ شظية عطّلت إحدى كليتيه، وأخرى استقرّت في مثانته.

وتخبرني أنّه منذ أن جيء به لم يكفّ عن مناداة أمّه: أمّي… أمّي، دون أن ينطق كلمةً سواها، وكأنّه ينتظر منها أن تأتيه مع الغيب؛ فتشفي له جراحه وتخلّصه من آلامه، وأحاول أن أتخيّل تلك الأمّ، في بيت ما، في قرية ما ، في مدينة ما، في بلد ما… فلا أستطيع أن أتخيّل امرأة بعينها في مكانٍ بعينه وزمانٍ بعينه.

ويلوحُ لي أنّها كلّ امرأة، في كلّ زمانٍ ومكان… ويلوحُ لي أنها أكثر من امرأة، إنها الأرض، والشمس، والقمر، وكلّ ما في الكون من أسرار.

إنّها الحياة التي فيها كلّ حياة يستغيث لها ذلك المسكين من أؤلئك العابثين بقدسيتها، المشوّهين لجمالها طمعاً في منجم ذهب أو بئر نفط..

إنّها الحرب، وحدها تستطيعُ أنْ تبدع مثل ذلك الإبداع في تشويه النفس الإنسانية، وخيالها هو الخيال الذي لا حدّ لقدرته في مسح الجمال والكمال، وفي اختلاق الأوجاع وقلب الأوضاع.

اشهد يا ليل، اشهدي يا نجوم : إنّ الإنسان أحطّ من الحيوان ــ إنّ الذي يزهو بعقله يغدو في الحرب بدون عقل ، فهو يشوّه الصحيح ثم يعود فيحاول تصحيح ما شوّه، وهو يقتل الحيّ ليعود فيندب الحيّ، وهو يدمّر ما بناه ليعود فيرمّم الذي دمّره.

ها هنا ما قيمة الحقّ؟ ما قيمة المحبّة؟ ما قيمة العدل؟ ما قيمةُ الرّوح ؟ ما قيمة الله؟…. لا شيء.

انتهت الحرب… في ذلك اليوم رقص الملايين من الناس في شتّى بقاع الأرض، وغنّوا وسكروا وعربدوا ــ إلّا الذين تذوّقوا طعم الحرب ــ أولئك ظلّوا صامتين.

ميخائيل نعيمة، سبعون

إقتراح الصديق Muath Telfah