رسالة مثلي إلى وطن آخر

National  Spanish feminist expelled from Morocco A Moroccan flag and a rainbow flag for gay rights in a protest in the Netherlands. Photo: Alex Proimos / Flickr Creative Commons.

 علم المغرب والعلم الممثّل لحقوق المثليّين في مظاهرة في هولندا Photo: Alex Proimos / Flickr Creative Commons.

الرسالة التالية هي بقلم صديق لم يرد أن أكشف عن إسمه خوفاً على حياته ومستقبله: صديق مثلي جنسياً  ومن أبناء المغرب.

أعيش في بلد أحبه مع أنني اضطر نفسي كل صباح إلى أترك مثليتي في البيت قبل الذهاب إلى العمل، أخبئها في خزانة ملابسي، خلف باب الحمام وفي أدراج مطبخي، أسخر من نفسي حين يطري أصدقائي وزملائي في العمل وأفراد عائلتي على أخلاقي واستقامتي وتوازني، أمضي يومي غائبا عن نفسي حذرا من زلات لساني أو طرفات عيني، أشفق على نفسي حين أضطر لتقبل خيانة زميلي في العمل لزوجته كل يوم ولتقبل نفاق رئيسي في العمل وتقبل سخرية صديقتي من زوجها وإدمان صديقي دون أن يستطيع أحد تقبل مثليتي حتى نوافذ بيتي أغلقها كي لا يسمع جيراني حديثي مع نفسي تناسيت منذ زمن طويل أنني أمر بجانب الحياة وأقنعت نفسي أنني وجدت في الزمن الخطأ والمكان الخطأ بل وربما أيضا في الجسد الخطأ لكنني صرت اليوم خائفا ولم أكن يوما كذلك، حين رأيت ذلك المثلي يضرب على أرصفة مدينة فاس تجمهر عليه العشرات ممن يظنون أنهم من الفئة الناجية يتسابقون على ضربه مكبرين مهللين، شعرت بكل تلك الضربات تخترق جسدي وأحسست بدمائه تخرج من عروقي، تخيلت نفسي مكانه وأنا أسقط وأقوم محاولا النجاة من أيدي أشخاص لا أعرفهم ولم أفكر يوما أن أؤذيهم أو حتى أحكم على تصرفاتهم، اهتز قلبي وأنا أراه يزحف نحو الشرطي يرتجي حمايته، اخترقت مسامعي شتائمهم ووعيدهم فأحسست لأول مرة أنني أعيش في بلد يكره ساكنيه حقيقتي مع أنهم يظهرون حبي، انتابني رعب عظيم حين انتبهت إلى أنني مجرد فار من عدالتهم متنكر في جلدتهم، لم أستطع أن أمنع دموعي وأنا أرى الشرطة تجر جسده المدمى إلى السيارة بعد أن قضوا منهم وطرهم تخيلت أصدقائي وجيراني وزملائي في العمل يفعلون بي ما فعل به، تخيلت نظرات اعجابهم تتحول إلى نظرات اشمئزاز، تخيلتهم يفرون مني كأنني لحم فاسد، فتحول حبي لهم إلى خوف ورهبة، وطمأنينتي بينهم إلى وجل وترقب.

لم أطمع يوما في أن أحمل راية قوس قزح أو أن أجد شريك حياة أو حتى أدافع عن حقوقي أو حقوق غيري، كل ما طمعت فيه هو أن أثق في أن من حولي لن ينقلبوا يوما ما إلى ذئاب تنهشني إذا أخطأت ونسيت يوما مثليتي خارج المطبخ أو غرفة النوم أو قرب النافذة. فقدت إحساسي بالمواطنة منذ رأيت ذلك الفيديو، أخاف من وطني مع أنني أهبه كل يوم ساعات عمري بتفان لا أخالف قوانينه ولم أؤذي يوما مواطنيه، فهل لي بوطن آخر؟

بعض ضحايا هجوم اليوم على مقر صحيفة شارلي إيبدو وضحايا رسوماتها

بعض ضحايا هجوم اليوم على مقر صحيفة شارلي إيبدو… هؤلاء دفعوا حياتهم ثمن حقهم في حريّة التعبير. وتجدون في الأسفل صورة لضحايا رسومات الصحيفة. 

في اليمين، جين "كابو المعروف بـ "كابو" كان الرسام الكاريكاتوري الأوّل في الصحيفة وكان يبلغ 76 عاماً من العمر وإلى اليسار ستيفان شاربويي المعروف بـ "شارب" كان محرّر الصحيفة وكان يبلغ من العمر 47 عاماً.

في اليمين، جين كابو المعروف بـ “كابو” وكان الرسام الكاريكاتوري الأوّل في الصحيفة وبلغ 76 عاماً من العمر وإلى اليسار ستيفان شاربويي المعروف بـ “شارب” وكان محرّر الصحيفة وبلغ من العمر 47 عاماً.

Georges Wolinksi et Verlhac “Tignous” Bernard

رسامَي الكاريكاتور فيلهاك برنارد المعروف بـ “تيغنو”، 58عاماً، و جورج وولنسكي، 80 عاماً.

صورة تظهر ضحايا رسومات الكاريكاتير لصحيفة "شارلي أبدو"

صورة تظهر ضحايا رسومات الكاريكاتير لصحيفة “شارلي إيدو”

صفحة “أصحاب العقول النيرة”

الأديان التوحيديّة: أفلسفة أم فيلودوكسي؟

الأديان التوحيديّة: أفلسفة أم فيلودوكسي؟
بقلم مصطفى عيتاني وبيير مدني

حقيقة اختياري أن أتخصّص في علوم الأحياء وليس الفلسفة يمكن تفسيرها بأنني كنت في مدرسة إسلاميّة وتدريس مادة الفلسفة فيها كان فقط في سبيل تحضيرنا لخوض امتحانات الباكالوريا الرسمية في لبنان.

كنت البارحة أساعد أحد تلامذتي (وهو يدرس في مدرسة علمانية) للتحضير لامتحان مادة الفلسفة حول سقراط. وخلال قراءتنا بعضاً من حوار سقراط مع يوثيفرو، خضنا في حوار سؤال وجواب على شاكلة حوارات سقراط وشرحت له معضلة الخير بجعلها معضلة البيتزا: هل تحب البيتزا اللذيذة ﻷنها لذيذة أم هل هي لذيذة لأنك تحبها؟ كان فضوله وعلامات الذهول البادية عليه يؤججهما إحساسه بعمق المادة التعليمية المطروحة وجانبها الفكري الممتع.

إن معظم شبابنا في المدارس الدينية محرومون من هذه اللذة وهذا الحق فقط لدواعي الخوف على الدين من الفلسفة. وأنا اقول لهم إن الدين لا يمكن ان يحيا إلا بالفلسفة ﻷنه بحد ذاته فلسفة (ولكن مقدسة عند الكثيرين) ولن يجد عمقه إلا بالتفكير الفلسفي.

لكن ثمّة من يدّعي بأنّ الأديان التوحيديّة على وجه الخصوص هي كلّها فيلودوكسي، ويعنون بهذا أنّ الأديان التوحيديّة -وبرأيها طبعاً- قد وصلت إلى الحقيقة المطلقة. الفيلودوكسي إذاً هي حبّ الشخص لما يملك من معرفة (صائبةً كانت أو خاطئة) والفيلودوكسيّ هو الشخص الذي يحبّ رأيه حدّ التشبّث به بشكلٍ عقائديٍّ ودوغمائيّ.

من هنا نستطيع أن نرى أنّ موقف هؤلاء – والقائل بأنّ جوهر الأديان التوحيديّة هو الفيلودوكسي – هو موقفٌ بلا ريبٍ صلب. قد ننسى أحياناً معنى كلمة “فيلوسوفي” والذي هو “حب المعرفة” أو “التوق إليها” و ليس “نشر الحقيقة التي وصلتنا منذ آلاف السنين”. الأديان الشرقآسيوية مثلاً تدعو معتنقيها إلى الخوض في رحلة بحثٍ نحو الحقيقة ولا تحضّ على هداية أحد.

ومبدأ “الهدى” هذا يلخِّص كلمة فيلودوكسي ولكنه يختلف عنه في القيم التي يجسّدها: في حين نرى أنّ الـ”هداية” علامة خير وبركة، فإنّنا نرى تشبّث فلانٍ برأيه على أنّه فقط وحده الصواب علامةٌ على ضيق أفقه وسقم أخلاقه.

لكن هل تقوم الأديان التوحيديّة فقط على الفيلودوكسي؟ القول بأنّ الأديان التوحيديّة هي فلسفة أيضاً له معطياتٍ تؤكّده. فهذه الأديان تقوم جزئياً على محاولتها تفسير العالم وأصله وتفسير عالمنا والبحث في أصله هو فرعٌ أساس من فروع الفلسفة ويسمّى الميتافيزقا – أمّا تشبّث الأديان التوحيديّة برأيها الفلسفيّ هو فيلودوكسي.

ممّا لا شكّ فيه إذاً أنّ الأديان التوحيديّة لا تقوم فقط على الفيلودوكسي ولكن هي أيضاً تقوم على الفلسفة ولكن نحن لا نستطيع أن ننكر أنّ الفيلودوكسي حالياً تهيمن على الأديان التوحيدية – لكنّ القول بأنّ هذه الأديان هي فقط فيلودوكسي يجب أن يُرفض ولعدّة أسباب: أوّلها أنّ ذلك يصوّرها على أنّها جامدة فيما هي في الواقع متحرّكة وفيها جوانب قابلة للنقاش الفلسفي وللتحديث. ثانياً، هناك أشخاص يتّبعون هذه الأديان ولكن عندهم تفسيرات فلسفية مغايرة عن الصنميّة السائدة في تفسير نصوصها المقدّسة. ثالثاً، القول بأنّها فقط فيلودوكسي ليس عملياً – وبالعكس هو قد يضع المتمسّك به على طريق صدامٍ محتّم مع أتباعها ولا يترك له سبلاً للعمل البنّاء معهم.

نحن نعيش اليوم في زمنٍ أحوج ما نكون فيه أن نبصر ضوء الفلسفة في الأديان التوحيديّة مهما كان خافتاً لأنّه هو أحد خيوطنا للنهوض بهذه المجتمعات من كبوتها الفكرية.

تغريدة ريتشارد دوكينز المعادية للإسلام تثير حفيظة الكثيرين حتى من بين مؤيّديه الملحدين

Richard Dawkins Author and evolutionary biologist, poses for a portrait at the Oxford Literary Festival, in Christ Church, on March 24, 2010 in Oxford, England.

Richard Dawkins Author and evolutionary biologist, poses for a portrait at the Oxford Literary Festival, in Christ Church, on March 24, 2010 in Oxford, England.

 تغريدة ريتشارد دوكينز المعادية للإسلام تثير حفيظة الكثيرين حتى من بين مؤيديه الملحدين

ثي هافينجتون بوست – بقلم ياسمين حافظ

استجاب ريتشارد دوكينز للجدل الذي تسبّبت به تغريدته الجدليّة المعادية للإسلام على موقع تويتر باعتبار هذه الحادثة “مجرّد زوبعة في فنجان”. 

وقد تسّبب العالِم الملحد الفخور بنقده للأديان هذا بموجة غضبٍ أثارتها تغريدةٌ كُتبت في الثامن من شهر آب تقول:

"المسلمون في العالم أجمع حصلوا على جوائز نوبل أقل من كلية الثالوث في كامبريدج. إلا أنهم قاموا بأشياء عظيمة في العصور الوسطى."

“المسلمون في العالم أجمع حصلوا على جوائز نوبل أقل من كلية الثالوث في كامبريدج. إلا أنهم قاموا بأشياء عظيمة في العصور الوسطى.”

وقد بدى أن المنشور يقول، “المسلمون كمجموعة لم يتمكنوا من تحقيق أي شيء جدير بالاهتمام منذ العصور الوسطى.” وقد قال سابقاً، “أظن أن الإسلام هو من أكبر الشرور في العالم” خلال تأيده للـ”إنسانية الجديدة” وهي نوع من الإلحاد لا يعطي الدين سوى أهمية قليلة أو معدومة. 

لعب دوكينز دور المتجاهل بعد أن تلقّى موجةً من التغريدات الغاضبة والتي اتّهمته بالتعصب، وكان ردّه  على ذلك كلّه في تغريدةٍ تلت الأولى يقول فيها:

"بإمكانك أن تهاجم شخصاً لرأيه. ولكن هل تهاجمه لأنه ذكر حقيقة مثيرة؟ من كان ليظن أن إحدى كليات كامبريدج..."

“بإمكانك أن تهاجم شخصاً لرأيه. ولكن هل تهاجمه لأنه ذكر حقيقة مثيرة؟ من كان ليظن أن إحدى كليات كامبريدج…”

واستمرّ في الدفاع عن نفسه بحجّة أنّه كان فقط يشاركهم حقيقةً مثبتة، وأنّ جميع منتقديه لاعقلانيّين ومنحازين. 

"فكرة مثيرة للاهتمام: أن الكشف ببساطة عن حقيقة لا يمكن إنكارها يمكن أن يكون مسيئاً. هل لديكم أية أمثلة أخرى عن حقائق يجب أن يتم إخفائها لأنها مسيئة؟"

“فكرة مثيرة للاهتمام: إنّ الكشف ببساطةٍ عن حقيقةٍ لا يمكن إنكارها يمكن أن يكون مسيئاً. هل لديكم أية أمثلة أخرى عن حقائق يجب أن يتمّ إخفائها لأنها مسيئة؟”

تباينت الردود من غاضبة إلى مرتبكة، حيث قام الكثيرون بالإشارة إلى أن هناك شيء مثير للشك وراء هذا المقارنة التي لا صلة لها بالموضوع، وهذا لأن كلية الثالوث فازت بالكثير من جوائز النوبل لدرجة أن الكثير من الجماعات ستكون قد حازت على عدد أقل من جوائز النوبل مقارنة مع الكلية، وهذا يتضمن جميع الدول باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية وبرطانيا وألمانيا وفرنسا. ولكن ما الفائدة من ذكر هذا؟

فمن الواضح أن الهدف من تغريدته كان لإثارة الغضب، حيث استجاب بعض المعلقين عندما حاول الدفاع عن نفسه بالتالي: 

" ما تفعله ماكر. فهذا تصريح استفزازي مقصود."

” ما تفعله ماكر. فهذا تصريح استفزازي مقصود.”

"أنا أقدر مساهمتك في المعرفة الخارجية، إلا أنك كنت تعرف أن إحداث مشكلة / القيام بالاستدلالات سيكون له تأثير سلبي عليك."

“أنا أقدر مساهمتك في المعرفة الخارجية، إلا أنك كنت تعرف أن إحداث مشكلة / القيام بالاستدلالات سيكون له تأثير سلبي عليك.”

"لماذا كان من الأهمية أن تصرح بهذه المعلومة؟ هل تساعدنا على الوصول إلى استنتاج ما حول شيء حقيقي ومهم؟"

“لماذا كان من الأهمية أن تصرح بهذه المعلومة؟ هل تساعدنا على الوصول إلى استنتاج ما حول شيء حقيقي ومهم؟”

حتى أن بعضاً من معجبيه شعروا بالاشمئزاز، كما قام توم تشيفرز بنشر مقال على مدونة ثي تيليغراف بعنوان: “أرجوك أن تبقى صامتاً يا ريتشارد دوكينز، أنا أتوسل إليك بصفتي أحد معجبيك”. ويوضح في المدونة أن دوكينز انحرف عن انتقاد المعتقدات والممارسات الدينية بناءاً على المنطق، وبدأ بالتهجم الأعمى على المعتقدات الدينية من خلال انتقاد المجموعات، والتلاعب بالحقائق لتعزيز آرائه. 

قامت “ثي أتلانتيك” بنشر مقال بعنوان “تاريخ بسيط عن صراع ريتشارد دوكينز مع الإنترنت” والذي يوثّق بدقّة تاريخ دوكينز الطويل في خطاباته وكتاباته المعادية للإسلام، بالإضافة إلى إعجابه بـ”جيرت ويلدرز”، وهو سياسيّ هولنديّ يمينيّ متطرّف ومعادي للإسلام.

كما أن دوكينز قام ذات مرة بمقارنة الإسلام بالنازية، كما كتب في تغريدته:

"بالطبع يمكن أن يكون لك رأي عن الإسلام من دون أن تقرأ القرآن. ليس عليك أن تقرأ "كفاحي" حتى يكون لك رأي عن النازية."

“بالطبع يمكن أن يكون لك رأي عن الإسلام من دون أن تقرأ القرآن. ليس عليك أن تقرأ “كفاحي” حتى يكون لك رأي عن النازية.”

قام دوكينز بنشر مقال على موقعه بعد يوم من الحادثة بعنوان “تأملات هادئة حول زوبعة في فنجان.” ذكر فيها أن هناك 1.6 بليون مسلم على الكوكب وأن الكثيرين منهم يعتبرون أن العلوم الإسلامية جدرية بالاحترام، استناداً إلى إنجازاته التاريخية وبالأخص تلك التي حصلت في العصور المظلمة. في النهاية، أعرب عن فكرته النهائية والتي اقتضت بها تغريدته ضمنياً، بالقول وبكل صراحة:

“بعد وضع هاذين الإدعائين جنباً إلى جنب، فلا يمكنك سوى أن تتسائل عن شيء من هذا القبيل: “إذا كنتم بهذه الأعداد الهائلة، وإذا كان علمكم عظيماً إلى هذا الحد، ألا يقتضى هذا أن تكونوا قادرين على ذكر بعض من الإنجازات المذهلة التي قامت بها هذه الأعداد الهائلة من الناس؟ إذا لم تكونوا قادرين على فعل هذا اليوم، ولكن ذات مرة في الماضي، ما الذي كنتم تفعلونه بطريقة خاطئة في الخمس مئة سنة الماضية؟ أياً كان هذا الخطأ، فهل يمكن فعل أي شيء حياله؟”

ثم اعترف أنه كان يفكر في نشر تغريدة مثيرة للغضب أكثر من سابقاتها: 

“كنت أفكّر في مقارنة أعداد جوائز النوبل التي رنالها يهود (وهي أكثر من 120) باللتي نالها مسلمون (وهي عشرة إذا لم نستثني جوائز النوبل للسلام – ونصف هذا العدد إذا قرّرت استثناء الأخيرة). هذا التعارض المدهش يبدو دراماتيكياً أكثر عندما تأخذ بعين الاعتبار كم أنّ أعداد اليهود في العالم ضئيلة.”

 ترجمة Shorouq BasementCat Z
للإطّلاع على المقال باللغة الإنكليزية:

في الدفاع عن كلمة “ناك” وكلمات أخرى خادشة للحياء

في الدفاع عن كلمة ناك وكلمات أخرى خادشة للحياء

في الدفاع عن كلمة ناك وكلمات أخرى خادشة للحياء

في الدفاع عن كلمة “ناك” وكلمات أخرى خادشة للحياء

تمهيد: اصدقائي الفرج مثلاً والأير وغيره من أعضاء نتحاشى ذكر أسمائها هي بمثابة باقي الأعضاء كالقلب والدماغ. كما أنّ العمليّة الجنسيّة أيضاً كلّها عبارة عن عمليّة بيولوجية جميعنا تقريباً بحاجةٍ إلى ممارستها بدعوى أنّ إشباعها حاجة فيزيولوجية كحاجتنا إلى إشباع الجوع مثلاً. إنّ ذكر العمليّة الجنسيّة أو عملية إطلاق الريح وغيرها من عملياتنا البيولوجية وحتى لو كان ذلك بلفظنا المحليّ لها ليس بشيءٍ نتوارى منه. إنّنا إن فعلنا ذلك لا نكون نتوارى سوى من أنفسنا.

يريد البعض منا أن يحظر علينا استخدام ألفاظاً بعينها بحجة أنها خادشة للحياء على حد تعبير الكثيرين ومنهم من يبني ذلك على ذرائع ثقافية و دينية قد يجدها هو متينة ومقنعة ولكننا نجدها ذرائع واهية.  فواقع الحال اصدقائي وكما ستقرأون لاحقاً في المقال يقول بأن أديان منطقتنا كالدين الإسلامي على سبيل المثال لا تمانع البتة إستخدام هذه الكلمات في كتبها المقدسة وعلى ألسنة مقدّسيها وأيضاً تراثنا الأدبيّ فيه من الأمثلة على إستخدام ضروبٍ من هذه الكلمات ما كان ليجعلها أقرب إلى أن تكون عادية جداً لو كان معظمنا أكثر الماماً بالقراءة.

إن الواضح لدى شعوب منطقتنا ربطها ألفاظ المرء بمستواه الأخلاقي. هم يقولون عن فلانٍ أنه “بلا أخلاق” إذا هو قال كذا وكذا في حضرتهم..     لكن إذا هم قرأوا عن رسول الإسلام مثلاً أنه قال نفس ذلك الكلام فإنهم لن يتجرأوا حتى على الشك بأخلاق رسول الإسلام، بل هم سيبحثون له عن المبررات لتبرير قوله دون حتى أن يقربوا أنفسهم على ذكرها في مجالسهم (أو هكذا يدّعون). من هنا نلمس إحدى مفارقاتنا العظيمة والتي لربما يكون هذا المقال أول ما يكتب في تسليط الضوء عليها.

إنّ الإفتراض السائد هو أنّ الدين وكتبه وأتباعه على درجة عالية من “الأخلاق” بحيث لا يمكن أن يصدر منهم أيّ لفظ جارح، في حين أنّ الواقع أن هذه الكتب فيها من السباب والشتائم من جهة ومن الألفاظ الجنسية من جهة أخرى التي تجعلها في النهاية كتباً كان ينبغي بمقاييس الكثيرين من قرائها أن يطالبوا بأن يكتب عليها عبارة “للبالغين فقط”.. فتذكّر سيدي القارئ وضَعي في الإعتبار سيّدتي أنّ في مصر مثلاً كلمة “وسخة” يمنع بثّها وفي لبنان فعل “ضرط” لربما لم يسبق أن قيل مرّة واحدة قط على الراديو أولا على شاشات التلفزة!!!

الغريب في الأمر أنّ أتباع كلّ دينٍ تقريباً في أكثر الأحيان لا يلاحظون هذه الألفاظ في كتبهم المقدسة وعندما يلاحظونها فالتبريرات عندهم تكاد لا تنتهي بينما لو قالها شخصٌ بسيطٌ في الشارع مثلاً وبنفس اللفظ فسيعتبرونه “قليل الأدب”. لو بدأنا بالقرآن فسنجد أن فيه ألفاظاً من قبيل: فرجها “ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها”، البغاء “ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا”، قضى منها وطرا “فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها”، تنكحوا “فانكحوا ما طاب لكم من النساء”، دخلتم بهن، المحيض “ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض”، وسنجد وصفه لمخالفيه من الناس بالدواب “إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون” والأنعام “إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا” والكلاب “فمثله كمثل الكلب أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث” والحمير “كمثل الحمار يحمل أسفارا”!

وأيضاً نذكر عن رسول الإسلام محمد في ما ورد لنا من الحديث أنه قال: “من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا” والـ”هن” هو يقصد به هنا فرج أبيه. و”هنّ” هو سادس الأسماء الستة والتي تدرّس تقريباً في كل المدارس على أنها خمسة. وفي ستّتها يقول إبن مالك:
“أبٌ أخٌ حمٌ كذاك وهنٌ *** والنقص في هذا الأخير أحسن
ولفظة هنٌ كلمةٌ يكنّا فيها عن أسماء الأجناس وقيل عما يستقبح ذكره، وقيل عن الفرج خاصةً.” السؤال هنا لماذا تدرّس في المدارس إلى جانب أبٌ وأخٌ وحمٌ وفو وذو، أهل لأن سادسها يقال “عما يستقبح ذكره.. وعن الفرج خاصة”؟

وعودةٌ إلى أقوال رسول الإسلام، ففي البخاري وغيره أنّه قال لماعز الذي زنى سائلاً إياه: “أنكتها”. و أيضاً النبي كما ورد في الحديث الصحيح لم يعترض على قول صاحبه أبي بكر لأحد الكفار: “امصص ببظر اللات”. والـ “بظر” معروف ولا نجد حاجة هنا في الدخول في تفاصيل. كما  يبدو أن السب والشتم بهذا اللفظ بالذات كان شائعاً، فهذا حسان بن ثابت الشاعر يهجو هنداً زوجة أبي سفيان قائلاً:

أشرت لكاع وكان عادتهـا *** لؤماً إذا أشرت من الكفر

لعن الإله وزوجها معهـا *** هند الهنود طويلة البظـر

هذا السباب الشنيع لم يمنع النبي من تأييد حسان كما ورد في صحيح مسلم أنه قال له: “اهجهم أو هاجهم وجبريل معك”. وهذا ليس بغريب فالنبي نفسه كان يسب ويشتم كما ورد في السيرة “دخل على رسول الله رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما”. فإذا كان رسول الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق وهو كان يشتم، كيف يدعي الكثير من المؤمنين به أن الشتم والسباب لاأخلاقيان؟

قد يأتينا أحد القراء ويوجه إلينا إعتراضاً يقول به أن من هذه الأحاديث ما هو ضعيف وما رجاله ليسوا ثقات، لكن إذا كانت هذه الأحاديث فعلاً ضعيفة والروايات كذلك، لماذا لا يتم حذفها من كتب الحديث والسيرة.. لماذا هي مازالت مبقاة هناك؟

هذا من الناحية الدينية، أما من الناحية الثقافية والتاريخية فلا شك أنّ شعر الهجاء هو أحد كبار الشهود على تقبل أسلافنا لتعابيرٍ نعتبرها اليوم من الفواحش. أما ما يفعله المحققون ببعض الدوانين هو أنهم يبدلون أبيات الشعر التي تحوي كلماتٍ يعتبرونها نابية بنقاط ويمتنعون أيضاً عن تدريس القصائد كاملةً لتلاميذ المدارس. خذوا اصدقائي على سبيل المثال قصائد المتنبي. أنتم كي تقرأون قصائده كاملةً عليكم بالرجوع إلى المخطوطات، أو الموسوعات أو كتب التاريخ كما هي حال قصائد الأخير حيث ورد منها كاملةً في كتاب “تاريخ بغداد.”

ومن هذه الأبيات الممنوعة نذكر منها من هجاء العصر الأموي مثلاً لدينا جرير يهجو عائلة أحد الشعراء فيقول مبالغاً في بخلهم وحقارتهم:

قومٌ إذا استنبح الأضياف كلبهم  *** قالوا لأمهم بولي على النار

فضيقت فرجها بخلاً ببولتها *** فلا تبول لهم إلا بمقدار

أما من هجاء العصر العباسي فنذكر من هجاء المتنبي لمريم أم ضبة وهي من الأبيات التي لاقى بسببها مصرعه:

وأمه الطرطبة

ما أنصف القوم ضبة

وباكوا الأم غلبة

رموا برأس أبيه

ولا بمن نيك رغبة

فلا بمن مات فخر

ـت رحمة لا محبة

وإنما قلت ما قلـ

عذرت لو كنت تأبه

وحيلة لك حتى

ـل إنما هي ضربة

وما عليك من القتـ

ر إنما هو سبة

وما عليك من الغد

ر أن أمك قحبة

وما عليك من العا

ـب أن يكون ابن كلبة

وما يشق على الكلـ

وإنما ضر صلبه

ما ضرها من أتاها

عجانها ناك زبه

ولم ينكها ولكن

ومن الناحية الثقافية والتاريخية أيضاً فلم يكن العرب وغيرهم من شعوب المنطقة كالترك مثلاً وكما هو واردٌ في تراثهم الأدبيّ يستحون من لفظٍ مثل النيك و ذلك كان الحال حتى وقتٍ قريب نسبياً، فهذا الإمام السيوطي[1] وهو أحد أصحاب تفسير الجلالين يؤلّف كتاب “نواضر الأيك في معرفة النيك”والكتاب مليء بالتفاصيل الجنسيّة والوصف الصريح والألفاظ التي نستحي منها اليوم!

وغير الإمام السيوطي هناك لائحة من قضاة كتبوا في هذا منهم نعمة الله الجزائري [5] في كتابه “زهر الربيع” مثلاً وغيره بما سنخوض أدناه.

فهذا مثلاً “رجوع الشيخ إلى صباه في القوّة على الباه [2]” لـ ابن كمال باشا [3] في بابه الثامن عشر من جزئه الثاني [4]  وهو هنا يذكر لنا كيفيّة أنواع الجمـاع ومايجلب بصفتـه الشهـوه وينبـه الحراره الغريزيـه، و”أول ذلك وهـو الباب العـام الذى يستعملـه أكثر النـاس ومنهـم من لايعـرف غيره هـو الإستلقـاء وهـو أن تستلقى المرأه عـلى ظهـرهـا وترفـع رجليهـا إلى صـدرهـا ويقعـد الرجـل بين فخذيهـا مستوفزاً قاعـداً عـلى أطراف أصـابعـه ولايهمز على بطنهـا بل يضمهـا ضماً شـديداً ويقبلهـا ويشخر وينخر ويمص لســانهـا ويعض شفتيهـا ويولجـه فيهـا حتى تبين رأسـه ويدفعـه ولايزال فى رهز ودفـع وحك وزغزغه ورفع وخفض حتى يفرغا بلذه عجيبـه وشهـوه غريبـه وإسمـه نيك العـاده”.
وفيه مثلاً الباب الثاني “في القعـود” وجاء في الأول منه أن تقعـد المرأه والرجل متقـابلين بعضهمـا فى وجـه بعض ثم يحـل الرجل سراويل المرأه بيده ويخليه فى خلخـالهـا ثم يلفه ويرميـه فـوق رأسهـا عـلى رقبتهـا فتبقى مثل الكره ثم يرميهـا عـلى ظهرهـا فيبقى فرجهـا ودبرهـا متصدرين ويقيم الرجل إيره ويولجـه وقتا فى حجرهـا ووقتا فى فرجهـا وإسمـه سد التنين…” ويكمل إبن كمال باشا كلامه الفصيح ووصفه الصريح في هذا النوع من أنواع الجماع  فقط حتى نهاية بابه السادس “فى القـــيام”.

وأيضاً في كتاب ” بلاغات النساء” [7] لابن طيفور [6] فيروي لنا أنّ امرأةً قالت الأبيات التالية:

يا عمرو لو كنت فتىً كريماً *** أو كنت ممّن يمنع الحريما
أو كان رمح استك مستقيماً *** نكت به جاريةً هضيما
ناك أخوها أختك الغليما *** بذي خطوطٍ يغلق المشيما

الخلاصة: ما اردنا إثباته في هذا المقال ونعتقد اننا فعلنا هو بيان أن معيارنا كمجتمعات لما هو خادش للحياء وما يعتبر قوله خارج عن اللياقة والأخلاق اليوم ليس له صلة بالدين وليس له صلة بثقافتنا تاريخياً.  إننا في سعينا إلى المحافظة  قشرةٍ من اللياقة والأخلاق والأدب بتنا نتنكر لتراثنا الثقافي و نحبذ صون حياءنا الهش على إلتزام النزاهة الفكرية في النقل و الترجمة من الثقافات الأخرى. إن حياءنا الهش هذا وحذرنا المبالغ فيه بإستخدام كلمات بعينها هو من سمات مجتمعاتنا المعاصرة وهو ما ينبغي علينا دراسته أكاديمياً وبشكل جدي.

ملاحظة هامة: قائمة كاتبي المقال لم تنتهي بعد ونحن بحاجة إلى آرائكم لنعدّل المقال ونضيف إليه. 

الهوامش:

Continue reading