تأمّلات حول عقوبة الاعدام

1380728_10151928328742158_15061437_n

“في الواقع القانوني، ماهي عقوبة الاعدام؟ هي اثني عشرة رجل و مرأة، يومان من المحاكمة، استحالة التوصّل الى عمق الأشياء و الحقّ أو الواجب الرهيبان بتقرير حياة أو موت شخص آخر.” روبرت بادنتير

اسمه ماهر المناعي، عمره 31 سنة، قضّى ثلث عمره في السجن من أجل جريمة قد لم يرتكبها. تمّ ايقافه في 6 سبتمبر 2003 اثر جريمة قتل أدّت الى وفاة شخص. تمّ اعتباره مذنبا و تمّ الحكم عليه سنة 2004 بعقوبة الاعدام بعد محاكمة صوريّة بالرغم من أنّه لم يتوقّف عن الاصرار على براءته.

سجن المرناقية، بعد 8 سنوات، وصل سجين. تمّ نقله من سجن صفاقس. رغبة منه في التأثير على السّجناء الآخرين كما هو معتاد عند كلّ سجين يريد أن يترك علامته في السّجن، روى لهم أنّ الأفعال المنسوبة له لا تساوي شيئا بالمقارنة مع الأفعال التي تمكّن من القيام بها قبل عشر سنوات. اذ، قال أنّه كان شريكا في جريمة قتل في صفاقس. جريمة القتل التي ألقي القبض على ماهر المناعي وحكم عليه بالإعدام على أساسها…

بالاستماع الى قصّة زميله في الزنزانة، تعرّف ماهر المناعي بشكل تامّ على ما استمع اليه. بالنسبة اليه، بلا شكّ، لقد وجد ثغرة تسمح بتبرئته في هذه القضيّة.

نبّه عائلته لتفوّض له محاميا. تمّ احياء القضيّة من جديد. أكّد السجين تصريحاته و عيّن شركاءه. حاليّا، ماهر المناعي لا يزال في السجن لأنّ الأشخاص الذين حدّدهم الشاهد لم يتمّ القاء القبض عليهم حتى الآن.

بغضّ النظر عن نتائج هذه الملحمة القانونيّة، تكشف قضيّة ماهر المناعي نفسها عبثيّة عقوبة الاعدام. اذ لو لم تلتزم تونس بوقف تنفيذ عقوبة الاعدام الذي يسمح بعدم تطبيق حكم الاعدام على المحكوم عليهم بهذه العقوبة، لكان قد تمّ اعدام ماهر المناعي في الحين الذي تظهر فيه أدلّة قويّة على براءته. كم من بريء تمّ اعدامه باسم هذه العقوبة، هذه العلامة الأزليّة على وحشيّة الانسان حسب فيكتورهيغو؟ لا أحد يعلم.

للأسف رغم الأضرار التي يمكن أن تسبّبها عقوبة الاعدام التي يعرّفها العميد عياض بن عاشور على أنّها الحقّ في القتل للعقاب، تبقى هذه العقوبة عند جزء كبير من العرب فوق كلّ الشبهات.

الحجج التي يقدمّها مناصرو هذه العقوبة هي غالبا نفسها: الوقاية الاجتماعيّة على سبيل المثال، مسؤوليّة الجاني، تعويض الضحيّة و خاصّة النصّ المقدّس (القرآن بالنسبة للمسلمين) الذي يُقدّم كالحجّة العليا لتبرير اللّجوء الى عقوبة الاعدام.

بصرف النظر عن النقاشات التي تدور حول المعنى الفعلي للأحكام المتعلّقة بالاعدام في الاسلام، فانّ القضيّة الحقيقيّة التي أثارها الجدل الديني هو أنّه وفقا لهذه النظريات، الحياة هي هبة من اللّه الى البشريّة، و بالتالي اللّه يسيطر على كلّ تقلّبات هذه الحياة من الولادة الى النهاية. و هكذا، وفقا لهذا المنطق، نهاية الحياة لا تعتمد على الانسان بل على اللّه. كيف نشرّع اذن انهاء حياة انسان بصفة نهائيّة؟ أليس اللّه يقرّر كلّ شيء يتعلّق بالحياة؟ أليس هنالك تناقض واضح بين هذا الشكل من أشكال وحدة الوجود و فكرة عقوبة اعدام يقرّرها و يقوم بها البشر؟

وقاية اجتماعيّة عبرضرب المثل يقولون. مثال مضحك. بشكل ملموس، يمكن تلخيص عقوبة الاعدام في “شفاء” شرّ بشرّ آخر(اسمحوا لي بهذا النقض)، فاعدام شخص هو كابعاد خطا بخطا آخر. و اذا عاقبت الشرّ الذي قمت به بشرّ مثله، ما الفرق بيني و بينك؟ قال عمر الخياّم. و ثمّ كما قال الأستاذ بادنتير، الاستخدام (المتكرّر) لعقوبة الاعدام من طرف ديمقراطيّة ضدّ الارهابيّين سيجعل من قيم هؤلاء الأخيرين قيما لها.

مسؤوليّة الجاني؟ حين تقتل المذنب تحذفه من الوجود و حين تحذفه تمنعه من الشعور بالذنب. و بالتالي يتهرّب المذنب من هذا الشعور الضروريّ للغاية و لن يواجه أبدا مسؤوليّاته.

أمّا بالنسبة لحجّة تعويض الضحيّة، ماذا يحدث اذا قرّرت عائلته بعد فترة أن تغفر للمذنب؟ هل سيكون هناك وسيلة للغفران بعد أن تمّ اعدام الجاني؟ في الحقيقة أمل الغفران هو الذي يعدم قبل كلّ شيء باعدام الجاني…

ألا يقولون انّ الخطأ انساني و الغفران… الاهيّ؟

مقال مستوحى من مؤتمر عقد في حضور روبرت بادينتر، عياض بن عاشور وسامي غربال.

بقلم: نسيم بن غربيّة.

رابط  المقال الأصلي (باللّغة الفرنسيّة): http://youth-for-change.blogspot.com/2013/12/reflexions-propos-de-la-peine-de-mort.html?spref=fb

ترجمة: رحمة الصغيّر

تدقيق: نسيم بن غربية

 للرد على صاحب المقال أو للمساهمة بمقالٍ لكم يمكنكم إرسال مقالاتكم إلى بريدنا الإلكتروني illuminatosanimos@gmail.com  ونحن لا نمانع في نشرها شرط أن لا يحتوي المقال على إهانة شخصية إلى أيٍ كان وشرط أن يحذو حذواً بناءً وأسلوباً جامعاً لا مفرقاً. 

رحمة الصغيّر: غضب المرأة التونسيّة

في أوائل شهر سبتمبر تمّ اغتصاب شابّة تونسيّة (مريم) من قبل عوني أمن أحدهما اغتصبها مرّتين في حين قام عون ثالث بابتزاز خطيبها و ابعاده عن موقع الجريمة.

انّ مريم ليست أوّل فتاة تونسيّة يغتصبها أعوان أمن بل هي الأولى التي تجرّأت على البوح. الأولى التي تقدّمت بشكوى ضدّ مغتصبيها و الأولى التي توجّهت الى الاعلام ليسمع الناس صوتها. فإذ بها اليوم قضيّة رأي عامّ.

لعلّ الصدمة التي تلقّاها الرأي العام هي تصريح الناطق الرّسمي بوزارة الدّاخليّة الذي عوض أن يعبّر عن رفضه لهذه الجريمة الشنعاء، اكتفى بتوجيه اتّهامات خرقاء تمسّ من سمعة الضحيّة و هي الاتّهامات نفسها التي تقدّم بها المغتصبون عند عمليّة الاستجواب أي أنّه لا معنى له، فالمتّهم بالاغتصاب لا يمكن أن يكون قانونا شاهدا عليه.

مريم التي ذهبت الى الاستجواب ضحيّة خرجت متّهمة. و التهمة هي خدش الحياء العامّ أو الأخلاق الحميدة بل الأغرب من ذلك أنّه من بين التهم “سبّ الجلالة” عند عمليّة الاغتصاب… و هنا أترك لكم التعليق…

قدّمت الفتاة شهادة كاملة لمجريات الجريمة الى بعض وسائل الاعلام التونسيّة

 و حظت على اهتمام و تعاطف العديد من التونسيّين نساء و رجالا و فجّرت من جهة أخرى غضب و حنق الكثيرين.

اليوم 2 أكتوبر 2012، انتظمت وقفة مساندة امام قصر العدالة حيث تقف مريم لأوّل مرّة أمام القاضي و من أهمّ الشعارات التي نادى بها المحتجّون:

“الشعب يريد قضاء مستقلّ”

و “غضب، غضب، الشعب مُغتصَب”…

رفع المحتجّون شعارات تبيّن مدى عمق أزمة المواطن في علاقته مع المنظومة الأمنيّة التي كانت تعتمد الاغتصاب كأداة من أدوات تعذيب المعارضين السّياسيّين للنظام السّابق في ظلّ دولة بوليسيّة كان فيها عون الأمن لا يعرف حدودا لسلطته بصفة تجعله بامتياز “فوق القانون”و يبدو أنّ النظام الجديد فشل في تحطيم هذه الصورة اذ أنّ تجرّأ هؤلاء الأعوان على ارتكاب الاغتصاب يفضح غياب أيّ صرامة من قبل السلطة المركزيّة في ردع هذا الاستبداد في استعمال السّلطة يفضح حسب السيّدة نبيهة (مساعدة محامي 47 سنة) خلل في عمليّة انتداب الأعوان و غياب الرّسكلة و التكوين.

انّ ردّة فعل الشارع التونسي تكشف أنّه شبعا صمتا و هو اليوم ينتظر القرار النهائيّ للمحكمة آملين أن تأخذ العدالة مجراها و ان تُتَطبّق أقصى العقوبات على المغتصبين ليعود للضحيّة اعتبارها و ليَعتبر كلّ عون تخوّل له نفسه أن يعتدي على المرأة التونسيّة…

بقلم و عدسة

رحمة الصغيّر

رحمة الصغيّر: عن مسار التجربة الديمقراطيّة في تونس

668_334_1376086443ituante2

في أزمة الطّبقة السياسيّة

:طرح عليّ عديد الأصدقاء أسئلة حول مشكلة الطّبقة السّياسيّة و المواطن في تونس. هذا باقتضاب رأيي الشّخصي

لقد تمّ للأسف في اعتقادي استغلال ضعف شعب فاقد للتقاليد الديمقراطيّة بطريقة وحشيّة
و منظّمة. ليس من الغريب أن تفشل أوّل تجربة سياسيّة في تونس و لن أستغرب
ان فشلت لاحقتها.

السّياسي الذي يضع السلطة قدو عينيه لا يجد عيبا في
افتعال أزمة نفسيّة تستهدف الأنا الأعلى للمواطن في معتقداته و القواعد
.الأخلاقيّة التي لقّن إياها، يهابها أكثر ممّا يؤمن بها أو يحترمها
فيصير برأيي المتواضع اختيار حزب ما و كأنّه تأكيد لهذه المعتقدات أو الأخلاق. و يصير
الاقتراع لا مشاركة في الحياة السياسيّة بقدر ماهو إثبات وهميّ لأصالة
انتمائه لمعتقدات و أخلاقيات بعينها.

مأساتنا أوّلا، أنّ رجال السّياسة حوّلوا صراع الأفكار
“البرامج في السّاحة السّياسيّة الى صدام باطنيّ بين “المعتقدات.
و”الهويّات” يهزّ ذات المواطن و يحوّله قسرا عن مشاكله الحقيقيّة

و مأساتنا ثانيا غوغاء البرامج السّياسيّة التي تهين ذكاء المواطن في تكديس
الوعود الفردوسيّة في البيانات التي قليلا ما ترتكز على واقع إمكانياتنا
الاقتصاديّة. إهانة تتحقّق بامتياز حين تتبخّر هذه الوعود كأنّها لم تكن
و تبقى الأحزاب النّزيهة كما كانت أبدا بعيدة عن القواعد، غارقة في
تجريدها و مثاليّتها. ضعفها في انشقاقاتها و في محاولات توحّدها الفاشلة
و المعيبة.. و ما يزيد الطين بلّة عيون خارجيّة تراقب و أياد دطامعة تقبض
.علينا من كلّ جهة

By Rahma Sghaier